الله اختاركم!

إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)


في البداية، وبعنوان الواجب الشرعي، أشكر كل الذين قاموا بما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) لأبي بصير: "أما تحبّ أن تكون فيمن يسعد فاطمة صلوات الله عليها". وذلك بإقامتهم وإحيائهم للشعائر الحسينية المقدّسة. أشكرهم جميعاً في أيّ مكان كانوا، وفي كل نقطة من نقاط العالم. وإنّ قول الإمام الصادق (عليه السلام): "يسعد فاطمة صلوات الله عليها". هي كلمة لا نظير لها أبداً، ولم أر طيلة مطالعاتي وما سمعته مثلها. و(يسعد) لا تعني إدخال الفرح والسرور على سيّدتنا فاطمة (سلام الله عليها) أو توجب رضاها، بل تعني سعادتها (عليها السلام). فما يعني سعادتها؟ وهذا ما يجب التأمّل فيه كثيراً.
كما أشكر كل الذين بذلوا الجهود والخدمات من بذل للأموال وغير ذلك. وقد دعوت الله لهم، وسأدعو وأظلّ أدعو لهم. كذلك أشكر الذين أوصلوا الشعائر الحسينية المقدّسة ونقلوها إلى الملايين من الناس في أطراف العالم، وهم أصحاب القنوات الفضائية الشيعية. فهم بهذا العمل قد قاموا بتبليغ الشعائر والقضية الحسينيتين المقدّستين. وفي القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: (ياأيها الرسول بلّغ). فحقيقة إن عمل القنوات الفضائية الشيعية بإيصالها الشعائر الحسينية المقدّسة، هو نوع من التبليغ الذي هو ليس عمل مستحبّ فقط، بل هو واجب كفائي بإجماع كل فقهاء الإسلام وليس فقهاء الشيعة فقط،.
وإنّ تبليغ الشعائر الحسينية المقدّسة للعالمين أجمع ـ أي للمؤمن والكافر والفاسد والصالح وللرجال والنساء ـ عبر طول التاريخ، له أثر بالغ ومهم جدّاً. فكم من الكفّار، ومن علماء الكفّار، وكتّابهم وشعرائهم تشيّعوا ببركة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهم بالمئات والمئات.

للشباب الغيارى

أقول للشباب مع بالغ احترامي لهم، ولحرقة قلبي أقول هذا: لتكن عندكم غيرة أكثر في تبليغ عاشوراء الإمام الحسين(ع)، وتبليغ شعائره المقدّسة. فاليوم يوجد قرابة أو أكثر من (3000) قناة فضائية في العالم، معظمها للكفّار والمنحرفين عن أهل البيت (عليهم السلام) ولأعدائهم، وهذه القنوات لا تنقل عن الشعائر الحسينية حتى على مدى ثوان معدودة، بل لا تنقل شيئاً عن أعظم الشعائر الحسينية، وهو عزاء ركضة طويريج، التي نقلوا أنها دامت أربع ساعات تقريباً (في محرم/1434)، وهو عزاء يشارك فيه كل طبقات المجتمع، من المراجع والعلماء والشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية، والتجّار والكسبة والطلبة وعامّة الناس، وهو عزاء عظيم جدّاً وفريد في التاريخ كلّه، بل لا يوجد مثل هذه الظاهرة على وجه الكرة الأرضية أبداً. فمن عليه أن يقوم بنقل وقائع هذا العزاء العظيم؟ هل الكفّار والمنحرفون عن أهل البيت (عليهم السلام) يقومون بذلك؟. الجواب: كلا، لأن أولئك يريدون القضاء على الشعائر الحسينية المقدّسة، سواء بأنفسهم مباشرة أو عبر عملائهم أو عبر المخدوعين بهم، بالأخصّ ممن يدّعي أنه يعتقد بمذهب أهل البيت (عليهم السلام). فاسعوا يا شباب الشيعة إلى تبليغ الشعائر الحسينية المقدّسة لكل الدنيا. هناك كلمة وردت في حديث صحيح، مذكور في الكتب الأربعة، عن مولانا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي: (اختار).. وهذه الكلمة هي للشيعة الذين يبلّغون شعائر أهل البيت، وهي كلمة استعملها الإمام أمير المؤمنين للأنبياء (عليهم السلام)، ولمولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وللأئمة (عليهم السلام). وهذا يعني أنه: كما أنّ الله تعالى اختار الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، كذلك اختار شيعة لتبليغ شعائر أهل البيت (عليهم السلام)، فاعلموا أيّها المؤمنون وكل من يقوم بتبليغ الشعائر الحسينية المقدّسة، إن الله تعالى قد اختاركم، وجعلكم في عداد الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).

لا يوم كعاشوراء
إنّ قول: (لا يوم كيومك ياأبا عبد الله) هو حديث عن الإمام المعصوم (عليه السلام)، وقد ثبت عن الله تعالى والأنبياء والأئمة ومولاتنا الزهراء صلوات الله عليها وعليهم، حقيقة ذلك الحديث، بل إنّ الله تعالى تعامل مع ذلك اليوم بما لم يتعامل به مع أيّ شيء آخر أبداً، فلماذا (لا يوم كيومك ياأبا عبد الله)؟ وما هو السرّ في ذلك؟. علماً بأن كثيراً من المظلومين قُتلوا في العالم. ففي اليمن قُتل أكثر من ثلاثين ألف من الشيعة على يد معاوية وجلاوزته. وفي واقعة الحرّة قُتل ما يقارب 11 ألف من الرجال والنساء والصغار والكبار في المدينة المنوّرة خلال ثلاثة أيام، وكل هؤلاء الضحايا قُتلوا ظلماً. وهكذا فعل المتوكّل وهارون، ومن قبلهما من بني أمية وبني مروان. والسؤال هنا: ألم تك تلك الجرائم فجيعة ومؤلمة؟ فلماذا إذن: "لا يوم كيومك ياأبا عبد الله"؟. يبدو لي من ذلك الاستثناء شيء واحد، وهو إنّ الله تبارك وتعالى أراد ذلك. علماً بأنّ فجائع عاشوراء هي بذاتها فجائع فريدة لا نظير لها أبداً. فالفجائع التي وقعت في ساعات معدودة في يوم عاشوراء كانت عظيمة جدّاً، لا يتحمّلها أيّ إنسان، سوى الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى السيّدة زينب (عليها السلام) لم تك تتحمّلها لولا أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد وضع يده الطاهرة على صدرها الطاهر كي تتحمّل.
لقد عزم الله تعالى وشاء وأراد، أن تكون عاشوراء وحيدة لا ثان لها، والإمام المعصوم (عليه السلام) بيّن ذلك بقوله: "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله". وهذا مقام الإثبات، وما أراد الله تعالى هو ثبوت ذلك. وسيبقى ـ لا يوم كيومك ياأبا عبد الله ـ إلى يوم القيامة أي إلى الأبد. وإنّ مصيبة استشهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله) هي مصيبة عظمى، وقد قالت عنها السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): "وأزيلت الحرمة عند مماته". وما حدث في كربلاء يوم عاشوراء هو من نتائج إزالة تلك الحرمة. ولكن لم يقال بحقّ مصيبة فقد النبيّ (صلى الله عليه وآله) مثل ما نرى بحقّ مصيبة عاشوراء، أي: "لا يوم كيومك ياأبا عبد الله". وكذا بالنسبة لمصيبة استشهاد الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن المجتبى والإمام الكاظم (عليه السلام) رغم ما تحمّله الإمام الكاظم (عليه السلام) من الأذى والسجن والتعذيب.
ومن الخصائص التي خصّ الله تعالى بها عاشوراء، هي أن جعل عقاباً لا نظير له لأعداء الإمام الحسين (عليه السلام) والظالمين له ولأهل بيته، فيجدر بالمؤمنين ألا يتوانوا في إحياء القضية الحسينية المقدّسة، وإن كانت لديهم مشاكل، فمن شأن القضية الحسينية المقدّسة، أن يتأذّى بها جمع من الناس ويتألّمون بسببها، فينالون الدرجات الرفيعة ويرتفع مقامهم عند الله تعالى، بينما يؤذي جمع من الناس محيي الشعائر فيتسافلون في جهنم، فقد تعرّض كثير من زوّار الإمام الحسين (عليه السلام)، ممن أقاموا الشعائر الحسينية المقدّسة، من بعد استشهاد الإمام إلى يومنا هذا، للمشاكل والقتل والسجن والتعذيب، ودمّرت حياتهم وهدمت عليهم بيوتهم، كما فعل صدام، فالشعائر الحسينية المقدّسة لا تخلو من المشاكل، بل إنّ المبنى فيها أن تكون فيها المشاكل، وهذا لا يعني أن يطلب المقيم للشعائر المشاكل، بل عليه أن لا ينهزم أمام المشاكل.

التشكيك بالشعائر
هناك شعيرة من شعائر الإمام الحسين (عليه السلام)، يقوم بها الملايين من الناس، لم أسمع خلال سنين عمري، أن واحداً من المقيمين لها مات بسببها. راجعوا الكتب في هذا المجال لتعرفوا ذلك أكثر، ومنها كتاب (نُصرة المظلوم). فصاحب هذا الكتاب سأل العديد من المراجع والفقهاء والعلماء عن ذلك، فلم يقل أحدهم بأنه سمع أو رأى أن واحداً من المقيمين لتلك الشعيرة قد مات بسببها. وهذه معجزة. علماً بأنّ الموت حقّ، فحتى في موسم الحجّ يموت بعض الحجّاج، وهذا أمر بديهي وطبيعي، وكذلك قد يموت بعض اللاطمين في عزاء اللطم، ولكن هذا لم يحصل في تلك الشعيرة أبداً. إنّي عاصرت المرحوم كاشف الغطاء، وقد كتب في إحدى كتبه: "إنني تابعت تلك الشعيرة خلال ستين سنة، فلم أسمع بأن واحداً من المقيمين بها قد مات بسببها". وهذه معجزة أيضاً. نعم، ليس المبنى أن تحدث معجزة في الشعائر الحسينية المقدّسة دائماً. فإنْ تعرّضتم أيها المقيمون للشعائر الحسينية المقدّسة لمشكلة أو أذى فلا تهتموا لذلك. فراجعوا الرواية الصحيحة عن معاوية بن عمار، وانظروا ماذا ذكر فيها من الفوائد، بالنسبة لمن يتعرّض للمشاكل وللبلاء في سبيل الشعائر الحسينية المقدّسة، وماذا سيلقى المسبب للشعائر الحسينية المشاكل. أليس من المؤسف أن لا يتعرّض الإنسان حتى لمشكلة واحدة في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة؟ ولذا على الذين يتعرّضون للمشاكل أن يفرحوا ويسرّوا، ولا ينزعجوا ولا يتأذّوا.


موقع يازهراء سلام الله عليها يهتم بكل جديد ينفع في خدمة أهل البيت سلام الله عليهم كي نرقى ونسمو في افكارنا وآراءنا فلا تبخلوا علينا في افكاركم وآراءكم