سماحة المرجع الشيرازي يؤكّد:التقوى والتوسّل بأهل البيت سرّ التوفيق في طلب العلم


قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, جمع من الفضلاء واساتذة وطلاّب مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله للعلوم الدينية, في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة, مساء يوم الخميس الموافق للثامن من شهر ربيع الثاني 1433 للهجرة, واستمعوا إلى توجيهات سماحته القيّمة, حيث أوصاهم سماحته بقوله: 

وصيّتان مهمتان يجدر بأهل العلم, بالأخصّ طلبة العلوم الدينية أن يلتزموا بهما, وهما: 

الأولى: استثمار العمر والوقت كله في العلم والتعلّم. فعلى طلاّب العلوم الدينية أن يقضوا كل لحظات وساعات وأيام حياتهم في طلب العلم. وحتى في أيام العطل, كيوم الخميس والجمعة, عليهم أن يجعلوا في هذين اليومين برنامجاً لهم, أي يقضوهما في طلب العلم, أو في مراجعة ما تعلّموه, أو في سدّ النواقص العلمية أو مافاتهم من الدراسة في الأيام السابقة عن الخميس والجمعة. فهكذا كان يفعل العلماء والفقهاء العظام من السلف الصالح قدّس الله أسرارهم الذين خلدوا في التاريخ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة كالشيخ المفيد والأنصاري. 

وذكر سماحته مثالاً عن كيفية استفادة علماء التشيّع الأعلام من أوقاتهم في العلم, وقال: 

قبل سنين عديدة, وبمناسبة ذكرى عيد الغدير الأغرّ, وحينما كنّا بالعراق, سافرت أنا وأخي المرحوم المرجع الشيرازي الراحل أعلى الله درجاته إلى مدينة النجف الأشرف لأداء الزيارة بهذه المناسبة العظيمة. ونزلنا في إحدى المدارس الدينية. وعندما كنّا نرجع من الزيارة ومن أداء الصلاة والأعمال إلى المدرسة, كان أخي ينزل إلى سرداب المدرسة, ويشتغل في التأليف. وخلال المدّة التي قضيناها في مدينة النجف الأشرف, وكانت ليلتان وثلاثة أيام, ألّف أخي المرحوم كتاباً أخلاقياً, سمّاه: الفضائل والأضداد. فهكذا يجدر الاستفادة من الوقت كلّه, وفي كلّ مكان, بالأخصّ بالنسبة للأشبال والشباب. 

ثم ذكر سماحته الوصية الثانية, وقال: أما الوصية الثانية التي يجدر الإلتزام بها, فهي التقوى الحقيقية. فعلى أهل العلم وطلاّب العلوم الدينية أن يلتزموا بتقوى الله تعالى, وأن يزيدوا من إيمانهم ويرسّخوا اعتقادهم بالله سبحانه وبالمعاد أكثر. ولاشكّ أن هذه الأمور يحصل عليها المؤمن من القرآن والأحاديث ومن مجالس أهل البيت صلوات الله عليهم, ولكنها بحاجة إلى العزم والتصميم وبتطبيقها عملياً. 

وأضاف سماحته مبيّناً نموذج عن تقوى أحد العلماء الماضين رضوان الله تعالى عليهم, وقال: 

كانت بنت أحد الأمراء ـ في إحدى المقاطعات الإيرانية ـ عائدة إلى بيتها في وقت متأخّر نسبياً في ليلة شتائية باردة، فصادفت في طريقها مدرسة دينية كان بابها مفتوحاً، ففكّرت أن تلجأ إليها حتى الصباح، طلباً للأمان ـ فقد كانت مضطربة وخائفة من خلو الطريق من المارّة ـ ولم يكن في المدرسة في تلك الليلة إلاّ طالب علم أعزب يسكن في إحدى الغرف وحيداً فريداً. فطرقت الفتاة الباب, وفوجئ الطالب بشابّة تطلب اللجوء حتى الصباح عنده وهي مطمئنة إليه لكونه طالباً في مدرسة دينية. فأدخلها الطالب حجرته الوحيدة, ونامت آمنة مطمئنة حتى الصباح، ثم غادرت إلى بيت أبيها الأمير. وعندما سألها عن مكان مبيتها البارحة حكت له القصّة. فشكّ الأمير وأرسل خلف طالب العلم ليحقّق معه، وتبيّن له بعد ذلك أن هذا الطالب منعه تقواه من أن يتكلّم معها فضلاً عن أن يدنو منها أو يقوم بلمسها! وعندما أراد الأمير أن يشكر الطالب اكتشف أن إحدى أصابعه محروقة حديثاً فسأله عن السبب فقال: تعلم أني شاب وأعزب، واتفق أن نامت في غرفتي ابنتك وهي امرأة شابة ولم يكن معنا أحد غيرنا، فأخذ الشيطان يوسوس لي، فخفت أن أفشل في مقاومته، فكانت في غرفتي شعلة نفطية، فبدأت أقرّب إصبعي من النار كلّما وسوس لي الشيطان فصرتُ أسكّن ألم الشهوة بألم الاحتراق, وبقيت هكذا إلى الصباح حتى نجّاني الله من الوقوع في فخّ الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء. وعندما سمعت الفتاة ذلك قالت: هو كذلك، لأني كنت أشمّ رائحة شواء، ولم أكن أعلم أن هذا المسكين إنما يشوي إصبعه! وذكروا: إن الأمير زوّجها إياه بعد ذلك لما رأى من جلده وتقواه. وكان هذا الرجل من علمائنا الأعلام وهو المعروف بـ «الميرداماد» أي صهر الأمير. 

وعقّب سماحته بقوله: بارك الله بتلك المدرسة والحوزة التي اطمئنت بها تلك الفتاة فلجأت إليها, وبارك الله بذاك طالب العلم أي الميرداماد رضوان الله تعالى عليه. 

وأردف سماحته: وللإلتزام بالتقوى وترسيخه أكثر وأكثر, يجدر بكم أن تجتنبوا المحرّمات كلّها, صغيرها وكبيرها. وعليكم بصلاة الليل, والمواظبة على قراءة الأدعية الشريفة كدعاء كميل الشريف الذي يستحبّ قراءته في مثل هذه الليلة وهي ليلة الجمعة, وتأمّلوا وتدبّروا في كلمة من كلمات الأدعية التي تتوسّلون بها إلى الله عزّ وجلّ. 

كما عليكم بالمواظبة على زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه, والتوسّل بالإمام المهدي المنتظر عجّ الله تعالى فرجه الشريف, صباح كل يوم, كي يعينكم ويرعاكم. 

وشدّد سماحته بقوله: لقد عاصر الشيخ المفيد رضوان الله عليه الكثير من الطلاّب وكان له الكثير من الزملاء في الدراسة, فلم يبقى اسمهم ولم يخلد ذكرهم, بينما بقي اسم الشيخ المفيد وخلد ذكره. وكان سرّ خلود الشيخ المفيد هو إلتزامه بالتقوى والورع. 

وخاطب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الحضور مؤكّداً: أنتم سلكتم طريق العلم, وأنتم الآن بمثابة الجنود لمولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف, ومعظمكم من الشباب, أي في مقتبل العمر, فحاولوا وصمّموا على أن تزيدوا من نسبة إلتزامكم بالوصيتين اللتين ذكرتهما لكم آنفاً, حتى تكبروا وتنشأوا عليهما. وكلما قصّرتم أحياناً, لاسمح الله, فارجعوا إلى الله وتوبوا إليه, واعزموا على عدم التكرار حتى يترسخ فيكم الورع والتقوى. فالكثير من أهل العلم من أمثالكم ممن سبقوكم, قد غرّهم الشيطان بالأموال أو بالترهيب أو بالتخويف أو بالترغيب فزلّوا, ولكن بعضهم لم يتمكّن الشيطان منهم ولم يزّلوا, فوفّقوا وسعدوا.

موقع يازهراء سلام الله عليها يهتم بكل جديد ينفع في خدمة أهل البيت سلام الله عليهم كي نرقى ونسمو في افكارنا وآراءنا فلا تبخلوا علينا في افكاركم وآراءكم