|
|
الارتقاء بالنفس
إضاءات
من محاضرة لسماحة
المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)
* غاية
الأخلاق تتلخص في مسالة واحدة وهي تربية النفس وإصلاحها، وهي من
أعقد المسائل وأصعبها، لأن كثيراً من الناس قد ينجحون في مسائل
صعبة ولا ينجحون في هذه المسألة. ولهذا نلاحظ اهتمام القرآن الكريم
والأحاديث الشريفة في الغالب في الدعوة الى تحقيقها، ومن ذلك قوله
(عزوجل): "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبونَ". إن الإنسان إذا
أنفق الرديء أو ما فاض من ماله فهو وإن كان إنفاقاً لبعض المال وقد
ينفع من أنفق عليه، غير أنه لا يمكن أن يصل بصاحبه الى ساحل البر
والإحسان، بينما لو كان إنفاق الإنسان مما يحب ولا يستغني عنه،
فهذا الذي يربي النفس ليصل بها الى ما تنشده الآية الكريمة. وإن
الله لا يحتاج الى الإنفاق ولا الى المنفق، لأنه (عزوجل) قادر على
إغناء الناس فلا يكون فقير واحد محتاج للإنفاق، ولكنه سبحانه جعل
هناك فقيراً وآخر غنياً، ومحتاجاً ومنفقاً، لكي يكون هناك امتحان
وتربية. ولاشك أن هذه التربية لا تتحقق فيما لو كان هناك فقير جائع
وأعطيته أرغفة من الخبز لا تحتاج إليها، وإن كان هذا إنفاقاً أيضاً
ويعد عملاً صالحاً تثاب عليه، ولكن إذا استطعت أن تعطيه أرغفة
الخبز مع حاجتك إليها فهذا يعني أنك بلغت مرحلة عالية من تربية
النفس.
* كل
إنسان يحب أن يكون صالحاً إلا القليل من ذوي النفوس السيئة،
والكثير قد يتصور أن بلوغ هذا الأمر شيء سهل وأنه لا يحتاج الى
مثابرة وترويض، مع أنه أمر لا ينال بسهولة. روى زرارة عن الإمام
الصادق (سلام الله عليه) أنه قال: "والله ما عرض لعلي (ع) أمران قط
كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقّهما عليه". فمع أن كلا
العملين فيهما مرضاة الله (عزوجل)، إلا أن أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب (سلام الله عليه) كان يختار الأشق، لأن تربية النفس تكون
في اختيار الشيء الأصعب. وقد لا يقصد بالأشق هنا الأشق على البدن
فقط، بل المقصود به الأشق روحياً أيضاً، فإن الإنسان لا يحس
أحياناً بالمشقة البدنية بسبب راحة الروح، ومثاله السهر، فقد يكون
شاقاً بدنياً على من اعتاد أن ينام الليل - كما هو حال أغلب الناس
- ولكنه لا يكون كذلك بالنسبة لمن حضر عنده صديق حميم أو ذو رحم
قريب بعد غياب وفراق طويل، فإن مثل هذا الإنسان قد لا يأتيه النوم
أصلاً، لأن الروح لا تستصعب السهر في هذه الحال، بل لا تشعر به
لأنها تعيش الأنس بلقاء الحبيب الغائب. إذاً عمدة المقصود من الأشق
ما هو أشق على الروح، وهو ما يربي الإنسان ويقربه الى الله (عزوجل)
أكثر.
* إن
الإنفاق أمر حسن ومفيد، ولكن الأهم أن يربي الإنسان نفسه بذلك.
ولهذا ورد في الحديث: "صدقة السرّ تطفئ غضب الرب". إن صدقة السر
تربي المعطي مضافاً الى أن آخذها لا يشعر بالذل، فإن الإطراء أو
الإعجاب الذي يحصل عليه المرء فيما لو أعطى على مرأى من الناس قد
يخفف من صعوبة الإعطاء والصدقة، لإحساسه بكونه قد اشترى بها سمعة
وجاهاً، فلا يشعر بصعوبة بذله، أما الصدقة في السر فتعني تغلب
المرء على صعوبة البذل لغياب التشجيع والإطراء والإعجاب وما أشبه.
فصدقة السر تطفئ غضب الرب، لأنها أقرب الى الإخلاص، لأن الله
(عزوجل) سريع الرضا، ولكنه حليم، أي لا يغضب بسرعة. وهذا قد يبدو
جمعاً للأضداد إذا ما قيس الى حالتنا نحن البشر. فالذين يحلمون ولا
يغضبون بسرعة إنما يكظمون غيظهم لا لأنهم لا يتأثرون أساساً، وهذا
يعني تراكماً في غيظهم حتى إذا امتلأ وفاض كان غضبهم شديداً وبطيء
الزوال، وقديما قيل: "نعوذ بالله من غضب الحليم". أما الله (عزوجل)
فليس هكذا، فكما أنه سبحانه حليم هو سريع الرضا إذا غضب، حيث أنه
(عزوجل) الرحمة المطلقة، وقد سبقت رحمته غضبه، وقد خلقنا ليرحمنا،
وينبغي للعبد أن لا يستصغر أية معصية، فلعل غضب الله فيها، وعلى
العبد أيضاً أن يعمل كل ما من شأنه أن يزيل غضب الله، ومما يطفئ
غضبه سبحانه صدقة السر، والعلة في ذلك أنها تعني أن القائم بها قد
نجح في ترويض نفسه وتعبيدها لله (عزوجل)، إضافة الى أن آخذها لا
يشعر بالضعة بين الناس.
|