البداية
افتقد شيخ البطحاء "
أبو طالب " ابن أخيه " سيدنا محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
" فراح يبحث عنه .
لم يكن وحده . كان معه
ابنه جعفر ، و كان يومها في العشرين من عمره .
انطلق الشيخ مع ابنه
إلى التلال المشرفة على مكّة و هناك وجده .
كان سيدنا محمّد يصلّي
بخشوع ، و إلى يمينه فتى الإسلام علي .
كان منظرهما يبعث على
الخشوع و هما يصلّيان لله خالق السماوات و الأرض خالق الكائنات ، لا يخافان أحداً
إلاً الله .

التفت أبو طالب إلى
ابنه " جعفر " و قال :
ـ صل جناح ابن عمّك .
أي قف إلى شماله بعد
أن وقف علي إلى يمينه .
إن الطائر لا يطير
إلاّ بجناحين ، فأراد " أبو طالب " عمّ النبي أن لا يبقى سيدنا محمّد بجناح واحد ،
و منذ ذلك الوقت ظهر اسم جعفر في تاريخ الإسلام المشرق .
ولد جعفر بن أبي طالب
بعد عام الفيل بربع قرن تقريباً ، و هو أكبر من أخيه علي بعشر سنين ، و أصغر من
سيدنا محمّد بعشرين سنة تقريباً . يشبه سيدنا محمّداً
(
صلى الله عليه وآله )
. نشأ في كنف عمّه العباس ، فلقد كان أبو طالب كثير العيال ، فأراد سيدنا محمّد أن
يخفّف من أعبائه فأخذ عليّاً إلى منزله ، و أخذ العباسُ جعفراً .
أضاء نور الإسلام سماء
مكّة ، و سيدنا محمّد يدعو الحائرين إلى النور الجديد و يدعو المقهورين و المظلومين
إلى دين الحريّة و الخلاص ، و يدعو الغارقين في ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام .

و لكن جبابرة قريش لم
يكونوا ليصغوا إلى صوت الإسلام و نداء السماء فراحوا يحاربون سيدنا محمّداً و الذين
آمنوا ، و يصبّون عذابهم على ضعفاء المسلمين ، فكانت السياط تنهال على بلال الحبشي
و على سميّة و ياسر و غيرهم من المسلمين لا لذنب إلاّ لأنّهم قالوا ربّنا الله .
الهجرة الى الحبشة
و ذات ليلة اجتمع
المسلمون عند رسول الله فقال لهم سيدنا محمّد و هو يشعر بالحزن لما يقاسونه من
العذاب :
ـ إن بأرض الحبشة
ملكاً لا يُظلم أحدٌ عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً و مخرجاً .
و أشرقت فكرة الهجرة
في قلوب المؤمنين كما تشرق الشمس فتغمر الأرض بالنور و الدفء .
و تسلّلت مجموعة صغيرة
في قلب الليل ، و عبرت البحر الأحمر إلى أرض الحبشة التي تدعى اليوم " أثيوبيا " ،
و يبقى المسلمون المهاجرون هناك ، فيما تصاعد عذاب قريش على المسلمين في مكّة و
اشتدّت محنتهم .
و في تلك الفترة
العصيبة أمر سيدنا محمّد ابن عمّه جعفر أن يقود مجموعة أكبر إلى الحبشة .
بلغ عدد المجموعة
الجديدة أكثر من ثمانين مسلماً و مسلمة . و راح جعفر يقود القافلة المهاجرة باتجاه
سواحل البحر .
كان البحر هادئاً و
الريح طيّبة ، و وصل المهاجرون شواطئ البحر .
و شاء الله سبحانه أن
تمرّ بهم سفينة في طريقها من جدّة إلى الحبشة و يتحدّث جعفر مع ربّان السفينة ، و
يوافق الرّبان على نقلهم إلى أرض الهجرة في ذلك الجانب من البحر .
انطلقت السفينة تشقّ
مياه البحر ، و المسلمون يشكرون الله على أن أبدل خوفهم أمناً يعبدونه و لا يشركون
به شيئاً .
كان جعفر يتفقّد بنفسه
المهاجرين و خاصّة الأطفال منهم ، و كانت زوجته أسماء بنت عُميس تتفقّد النساء .
و تمرّ الأيام و
الليالي و ترسو السفينة في شواطئ الحبشة و يصل المهاجرون الأرض التي أمرهم سيدنا
محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
بالهجرة إليها .
كانوا يُصَلّون لله
بحرّية لا يتعرّض لهم أحد و كانوا يدعون الله في صلاتهم أن ينصر سيدنا محمداً و
إخوانهم من المسلمين على جبابرة قريش الظالمين ، و لكن الأخبار التي كانت تصلهم
تبعث على الحزن ، فقد استشهد ياسر و سميّة تحت التعذيب ، فكانوا يتألمون لما يحلّ
بإخوتهم من العذاب ، غير أنهم كانوا يزدادون عزماً و صلابة في إيمانهم .
في مكّة
كان أبو جهل أكثر
الحاقدين على سيدنا محمد و كان يخطّط للقضاء على دين الله ، يريد أن يطفئ شمعة
الإسلام ليبقى الناس في ظلامٍ و جهل .
و لكن دين الله كان
ينتشر مثل شذى الورود و كان يدخل الفرحة في القلوب مثل الربيع .
و ذات يوم اجتمع زعماء
قريش في " دار الندوة " و راحوا يفكّرون كيف يطفئون نور الإسلام .
قال اُُُُُُُُمية :
ـ سأجعل من بلال عبرة
للعبيد حتى لا يفكّرون في دخول دين محمّد .
و قال أبو جهل :
ـ نعم سوف نستمر في
حصار بني هاشم حتى يموتوا جوعاً أو يسلّموا الينا محمداً لنقتله .
و قال أبو سفيان :
ـ و لكن ماذا نفعل
لهؤلاء الذين يفرّون من مكّة و يذهبون إلى الحبشة .
قال أبو جهل :
ـ سوف نعيدهم :
ـ كيف ؟!
ـ نرسل إلى النجاشي
هدايا كثيرة و هو صديقنا و لن يمتنع عن إجابة طلبنا .
ـ مَنْ يذهب ؟!
ـ سنرسل رجلاً ذكيّاً
يعرف كيف يتفاهم مع النجاشي .
و بعد مشاورات ،
استقرّ رأيهم على إرسال وفد إلى الحبشة من أجل إعادة الفارّين بالقوّة .
في حضرة النجاشي
و في الصباح انطلق "
عمرو بن العاص " و " عمارة بن الوليد " باتجاه البحر و هما يحملان الهدايا إلى
النجاشي ملك الحبشة .
عبر الوفد البحر في
سفينة و وصل أرض الحبشة ، و انطلق إلى قصر الملك . قال عمرو بن العاص لحرّاس القصر
:
ـ نحن وفد قريش إلى
الملك نحمل إليه هدية .
رحّب النجاشي بالوفد و
تسلّم هدايا قريش ، كما تسلّم البطارقة أيضاً هداياهم و سأل الملك عن هدفهم من
الزيارة .
فقال الوفد :
ـ لقد لجأ إلى أرض
الحبشة قوم من السفهاء فارقوا دين الآباء و الأجداد و لم يدخلوا دين الملك . . بل
جاءوا بدين جديد لا نعرفه نحن و لا أنتم ، و لقد أرسلنا أشرافُ قريش لاستردادهم و
تأديبهم .
كان ملك الحبشة رجلاً
عادلاً و عاقلاً فقال :
ـ كيف أُسلّم اُناساً
اختاروا بلادي و استجاروا بي ؟! و لكنّي سأسألهم فإذا تبيّن لي فساد عقيدتهم و
انحرافهم سلّمتهم ، و إلاّ تركتهم يعيشون في أرضي و بلادي .
طلب النجاشي إحضار
المهاجرين ، فجاءوا يتقدّمهم جعفر بن أبي طالب ، و دخل الجميع البلاط في حضرة الملك
و كان من تقاليد البلاد أن يسجد كلّ من يدخل على النجاشي ، فسجد الأحباش و سجد
الوفد ، و لكن المسلمين لم يسجدوا و ظلّت هاماتهم مرفوعة عالياً .
تساءل النجاشي :
ـ ألا تسجدون ؟!
أجاب جعفر :
ـ نحن لا نسجد لغير
الله .
قال الملك
ـ ماذا تعني ؟
أجاب جعفر :
ـ أيُها الملك أن الله
بعث إلينا رسولاً ، ثم أمرنا ألاّ نسجد لأحد إلاّ الله و أمرنا بالصلاة و الزكاة .
قال عمرو بن العاص
بخبث :
ـ انّهم يخالفون دين
الملك .
أشار النجاشي عليه أن
يسكت ، و طلب من جعفر أن يستمرّ في حديثه .
قال جعفر بأدب :
ـ أيّها الملك كنّا
قوماً أهل جاهلية . . نعبد الأصنام ، و نأكل الميتة ، و نأتي الفواحش و نقطع
الأرحام ، و نسيء الجوار ، و يأكل القويّ منّا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولاً
منّا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله لنوحّده و نعبده ، و نخلع
ما كنّا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان ، و أمرنا بصدق الحديث .
و اداء الأمانة .
و صلة الرحم .
و حسن الجوار .
و الكفّ عن المحارم و
الدماء .
و نهانا عن الفواحش و
قول الزور ، و أكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات .
و أمرنا أن نعبد الله
وحده .
لا نشرك به شيئاً .
و أمرنا بالصلاة و
الزكاة و الصيام .
فصدقناه أيُّها الملك
و اتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئاً .
فعدا علينا قومنا
فعذّبونا و فتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان . .
فلّما قهرونا و ظلمونا
، و ضيّقوا علينا . . خرجنا إلى بلادك ، و اخترناك على من سواك ، و رغبنا في جوارك
و رجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك .
قال النجاشي باحترام :
ـ هل معك مما جاء به
نبيّكم ؟
قال جعفر بأدب :
ـ نعم .
قال النجاشي :
ـ اقرأ عليّ شيئاً .
و انطلق جعفر يقرأ
بخشوع آيات بيّنات من سورة مريم :
{ وَاذْكُرْ فِي
الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا .
فَاتَّخَذَتْ مِن
دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
سَوِيًّا .
قَالَتْ : إِنِّي
أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا .
قَالَ : إِنَّمَا
أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا .
قَالَتْ : أَنَّى
يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا .
قَالَ : كَذَلِكِ
قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً
مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا .
فَحَمَلَتْهُ
فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا .
فَأَجَاءهَا
الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا
وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا .
فَنَادَاهَا مِن
تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا .
وَهُزِّي إِلَيْكِ
بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا .
فَكُلِي وَاشْرَبِي
وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي :
إِنِّي نَذَرْتُ
لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا .
فَأَتَتْ بِهِ
قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ .
قَالُوا : يَا
مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا .
يَا أُخْتَ هَارُونَ
مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } .
بكى النجاشي و كانت
دموعه تسيل على خديه ، و بكى القساوسة و الرهبان خاشعين و كان صوت جعفر ينساب في
خشوع :
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ
.
قَالُوا : كَيْفَ
نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا .
قَالَ : إِنِّي عَبْدُ
اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا .
وَجَعَلَنِي
مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ
حَيًّا .
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا .
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ
يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا .
نهض النجاشي إجلالاً
لكلمات الله و قال بخشوع :
ـ إن هذا و الذي جاء
به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة .
و التفت إلى وفد قريش
و قال بغضب :
ـ لن أُسلمهم و
سأُدافع عنهم .
ثم أمر بطرد الوفد و
إعادة الهدايا إليهم و قال :
ـ إنّها رشوة و أنا لا
أحبّ أن أرتشي .
و التفت إلى جعفر و
الذين آمنوا معه و قال :
ـ مرحباً بكم و بمن
جئتم من عنده . . اشهد انّه الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم . . انزلوا حيث شئتم
من بلادي .
و أراد النجاشي أن
يعرف آداب الإسلام ، لأنّه رآهم لم يسجدوا تحية للملك ، فسأل جعفر عن ذلك فأجاب :
ـ إن تحيتنا أيُّها
الملك أن نقول : السلام عليكم . .
و هي تحية من عند الله
مباركة طيّبة .
مؤامرة اخرى
و في اليوم التالي ذهب
" عمرو بن العاص " إلى القصر و قال لصاحبه " عمارة " :
ـ سوف أنتقم هذه
المرّة من جعفر . . سأقول للملك إن المسلمين يقولون في عيسى رأياً آخر .

دخل الوفد مرّة اُخرى
على النجاشي و قال :
ـ أيها الملك ان هؤلاء
يقولون في عيسى انّه عبد .
سكت النجاشي قليلاً ثم
أمر الحارس :
ـ إنطلق إلى جعفر نسمع
منه رأيه .
جاء جعفر و سلّم على
الملك بتحية الإسلام قائلاً :
ـ السلام على الملك .
سأل الملك :
ماذا تقولون في عيسى ؟
أجاب جعفر بهدوء :
ـ نقول ما قال الله
فيه و ما أخبرنا به رسوله .
سأل النجاشي :
ـ و ماذا يقول نبيّكم
؟
قال جعفر :
ـ هو عبد الله و رسوله
و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .
سكت النجاشي قليلاً ثم
خط بعصاه على الأرض و قال :
ـ ما عدا عيسى بن مريم
ما تقول هذا الخط .
ثم قال :
ـ اذهب إلى أصحابك . .
أنتم " شيوم " في الأرض .
أي أنتم آمنون .
و فشلت مؤامرة الوفد
مرّة اُخرى و عاد إلى مكّة خائباً . و من ذلك اللقاء و المسلمون ينعمون في الإقامة
بأرض لا يظلم عند ملكها أحد .
و فرح سيّدنا محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
و المسلمون بانتصار جعفر و بقائهم في الحبشة .
إقامة طيبة
و تمرّ الأيام و
الشهور و الأعوام ، و جعفر و من معه من المسلمين يسمعون أخباراً حلوة فيفرحون و
أخباراً مرّة فيحزنون .فرحوا بانتهاء الحصار الذي فرضته قريش على بني هاشم ، و
حزنوا لوفاة أبي طالب حامي الرسول و وفاة خديجة زوجة سيّدنا محمّد التي وقفت إلى
جانبه و أنفقت كلّ ثروتها من أجل الإسلام .

ثم غمرتهم الفرحة
الكبرى بهجرة سيدنا محمد إلى المدينة و قيام أوّل دولة إسلامية ترتفع فيها راية
التوحيد خفّاقة .
و وصلتهم أنباء معركة
بدر الفاصلة و انتصار الإسلام في حربه مع الشرك و الأوثان .
و سمعوا أخبار معركة "
اُحد " فحزنوا من أجل سيدنا محمّد و ما أصابه من الجروح ثم توالت أخبار الانتصارات
الإسلامية على المشركين و حلفائهم من اليهود .
و كم كانت فرحة
المسلمين كبيرة و هم يرون سيّدنا محمّداً يبعث برسائله إلى ملوك العالم .
رسالة إلى هرقل
إمبراطور الروم . و رسالة إلى كسرى ملك فارس .
و رسالة إلى المقوقس
عظيم مصر .
رسالة إلى النجاشي
و وصل الحبشة مبعوث من
قِبل سيّدنا محمّد هو عمرة بن اُمية الضمري يحمل رسالة نبيّ الإسلام ، و هذا نصّها
:
بسم الله الرحمن
الرحيم
من محمّد رسول الله
إلى النجاشي ملك
الحبشة
سلم أنت " أي أنت سالم
" .
فإني أحمد الله الذي
لا إله إلاّ هو الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن . و أشهد أن عيسى بن مريم روح
الله و كلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة . . حملته من روحه كما خلق
آدم بيده .
و إني أدعوك إلى الله
وحده لا شريك له و الموالاة على طاعته ، و أن تتبعني و توقن بالذي جاءني ، فانّي
رسول الله ، و إني أدعوك و جنودك إلى الله عَزَّ و جَلَّ ، و قد بلغت و نصحت ،
فاقبلوا نصيحتي ، و السلام على من اتّبع الهدى .
و انطلق جعفر مع مبعوث
سيّدنا محمّد إلى قصر النجاشي و سلما على ملك الحبشة الذي تسلّم رسالة النبيّ
باحترام . و عندما اطّلع على مضمون الرسالة ، نزل النجاشي عن العرش و جلس على الأرض
تواضعاً و احتراماً لرسول الله سيّدنا محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
.
وضع الرسالة على عينيه
مبالغة في التعبير عن الاحترام ، ثم أمر بأن يحضروا له صندوقاً مصنوعاً من العاج
فوضع الرسالة فيه و قال :
ـ ستبقى الحبشة بخير
ما ظلّت هذه الرسالة محفوظة عند أهلها .
و تقدّم مبعوث النبي
(
صلى الله عليه وآله )
من الملك و قدّم إليه رسالة اُخرى يطلب فيها سيّدنا محمّد بأن يسمح للمهاجرين و على
رأسهم جعفر بن أبي طالب بالعودة فقد أصبح لهم وطن .
غمرت الفرحة المسلمين
بقرب العودة إلى الديار و الأحبّة و شكروا للنجاشي حسن ضيافته .
أمر النجاشي بإعداد
السفن التي ستقلّ المهاجرين إلى أرض الحجاز ، و بعث معهم ممثلاً يحمل هدايا الحبشة
و تحيات ملكها إلى سيّدنا محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
.
و ارتفعت الأشرعة
استعداداً للسفر ، و بدأت رحلة العودة و المسلمون فرحون بنصر الله .
فتح خيبر
في المدينة المنوّرة
كان جيش الإسلام يستعد للزحف نحو حصون خيبر اليهودية .
كان يهود خيبر يحيكون
المؤامرات تلو المؤامرات لإطفاء نور الإسلام ، فكانوا يحرّضون القبائل العربية لغزو
المدينة و القضاء على الدولة الإسلامية الفتية .
من أجل هذا قرّر سيدنا
محمد استئصال خطرهم لينعم الناس بسلام الإيمان و الإسلام .
وصلت قوّات الإسلام
الطريق الذي يربط بين قبائل غطفان و حصون خيبر لقطع الإمدادات على العدوّ و توجيه
ضربة عسكرية مفاجئة .
بلغ تعداد الجيش
الإسلامي ألفاً و أربعمائة مقاتل بينهم مائتا فارس ، و كان للمرأة المسلمة شرف
الحضور في هذه المعركة .
كانت راية العقاب تخفق
فوق سيدنا محمّد ، و جيش الإسلام يزحف باتجاه الحصون .
و في الفجر فوجئ
اليهود بالمسلمين يضربون عليهم الحصار الكامل .
قاد بعض الصحابة هجمات
عنيفة لم تسفر عن شيء يسخرون من سيدنا محمّد
(
صلى الله عليه وآله )
و من جنوده .
عند ذلك هتف النبي
قائلاً :
لأعطين الراية غداً
رجلاً يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله .
و في الصباح تمنّى بعض
الصحابة أن يكون الراية من نصيبه ، غير أن سيدنا محمدا
(
صلى الله عليه وآله )
سأل عن علي و هو أخو جعفر بن أبي طالب .
هزّ عليّ الراية بقوّة
و تقدّم باتجاه الحصون اليهودية ، و عندما قتل عليّ مرحباً بطل اليهود شعروا بالخوف
، و سرعان ما تساقطت حصون خيبر الواحد تلو الآخر .
و غمرت الفرحة قلب
سيدنا محمد و المسلمين و شكروا الله عز وجل أن نصرهم على أعدائهم .
و في تلك الفترة وصل
مهاجرو الحبشة يتقدّمهم جعفر بن أبي طالب و تضاعفت فرحة سيدنا محمد حتى قال و
البسمة تضيء وجهه :
ـ ما أدري بأيّهما
أشدّ سروراً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر .
و عانق سيدنا محمد ابن
عمه جعفر و قبّل جبينه و قال : ان لجعفر و أصحابه هجرتين ، هجرة للحبشة و هجرة
للمدينة المنوّرة .
معركة مؤتة
كان سيدنا محمد
(
صلى الله عليه وآله )
قد بعث برسول إلى حاكم بُصرى و هي مدينة من مدن الشام ، و في أرض " موتة " أُلقى
القبض عليه و سيق للإعدام ، و كان هذا العمل منافياً للأخلاق الإنسانية .
و شعر النبيّ
(
صلى الله عليه وآله )
بالحزن و أمر الاستعداد لحملة تأديبية .
و في شهر جمادى الأولى
من السنة الثامنة للهجرة المباركة خرج ثلاثة آلاف مقاتل و وصيّة النبيّ
(
صلى الله عليه وآله )
تضيء طريقهم :
أوصيكم بتقوى الله . .
اغزوا باسم الله ، فقاتلوا عدوّ الله و عدوّكم . . و ستجدون رجالاً في الصوامع
معتزلين فلا تتعرضوا لهم ، و لا تقتلوا امرأة و لا صغيراً . . و لا تقطعوا شجرة . .
و لا تهدموّا بناءً .
كان سيدنا محمّد قد
عيّن زيد بن حارثة قائداً للجيش الإسلامي فان استشهد فالقائد جعفر بن أبي طالب فإن
استشهد فالقائد الثالث عبد الله بن رواحة .
وصلت أنباء الزحف
الإسلامي إلى الروم فأعدّوا جيشهم من الرومان و القبائل العربية الموالية لهم حتى
بلغ عدد قواتهم مئتي ألف جندي ، و تحشّدت الجيوش في أرض البلقاء .
و قد حدث أوّل اشتباك
في قرية " مشارف " في تخوم البلقاء و ظهر تفوّق الروم الهائل .
كان " هرقل " إمبراطور
الروم قد أسند القيادة العامة إلى أخيه " تيودور " .
اختار الجيش الإسلامي
القليل العدد أرض مؤتة لتكون مسرحاً للعمليات الحربية لتضاريس الأرض المناسبة التي
تساعد المسلمين على التحصّن و التعويض عن تفوّق الروم العددي الساحق .
استعدّ زيد بن حارثة
للهجوم ايذاناً ببدء المعركة . هزّ راية جيش الإسلام بقوّة و اندفع نحو قلب العدوّ
، و قد ألهب اندفاعه الحماس في القوات الإسلامية .
و حدثت معارك ضارية و
قد مزّقت الرماح زيداً فهوى إلى الأرض شهيداً يلوّن الأرض بلون الشفق .
و قبل أن تسقط الراية
على الأرض اندفع جعفر بن أبي طالب فامسك بها بقوّة و راح يقاتل بضراوة و ارتفع صوته
وسط ضجيج المعارك مبشراً بالنصر أو الشهادة التي هي أُمنية المؤمنين :
يا حبذا الجنّة و
اقترابها *** طيبة و بارداً شرابها
و الروم روم قد دنا
عذابها *** كافرة بعيدة أنسابها
علي ان لاقيتها ضرابها
و لكي يعلن تصميمه على
القتال حتى الموت فقد قفز من فوق فرسه الشقراء ، و هو أول من فعل ذلك في تاريخ
الإسلام .
ظلّ جعفر كالجبل يتلقى
الضربات بثبات يبهر الأعداء .
فكثّفوا هجومهم نحوه و
هوى سيف على يده اليمنى فطارت .
أخذ جعفر راية الإسلام
بيده اليسرى و راح يقاتل و هوى سيف آخر على يده فقطعها . و هنا ضمّ جعفر الراية
بعضديه إلى صدره لكي تستمر المقاومة .
و في تلك اللحظات
الرهيبة جاءته ضربة اُخرى فهوى جعفر معها نحو الأرض شهيداً .
و اندفع عبد الله بن
رواحة القائد الثالث نحو الراية لتخفق مرّة اُخرى في سماء المعركة .
و اندفع القائد الجديد
يقاتل ببسالة في صدّ هجمات الروم التي كانت تندفع كالأمواج .
و هوى عبد الله على
الأرض شهيداً ، فأخذ الراية ثابت بن الأرقم و هتف بالمسلمين لانتخاب قائد جديد . و
تمّ انتخاب خالد بن الوليد .
بسرعة فائقة فكّر
القائد الجدبد أن أفضل ما يقوم به هو الإنسحاب فقام بعمليات تكتيكية أوهمت العدوّ .
و عندما خيّم الظلام
بدأ انسحاب الجيش الإسلامي بسلام و غاب في قلب الصحراء .
و في الصباح فوجئ
الروم بانسحاب المسلمين و تهيّبوا التوغل في الصحراء كما إن بسالة القوّات
الإسلامية بالرغم من عددهم القليل قد قذفت في قلوبهم الخوف ففضلوا العودة .
و في المدينة
هبط جبريل على سيدنا
محمد يخبره بأنباء المعركة ، و صعد رسول الله المنبر و خطب المسلمين قائلاً :
ـ أخذ الراية زيد
فقاتل حتى قتل شهيداً ، ثم أخذ جعفر فقاتل حتى قُتل شهيداً ، ثم أخذ الراية عبد
الله فقاتل حتى قُتل شهيداً .
و انطلق سيدنا محمد
ليعزّي أسماء زوجة الشهيد العظيم .
دخل النبي الكريم فوجد
أولاد جعفر جالسين و كانت اُمّهم قد فرغت من ترجيل شعورهم .
قبّل النبيّ أولاد
جعفر و أجلسهم في حضنه الدافئ ، و دمعت عيناه .
شعرت أسماء بأن هناك
شيئاً حصل لزوجها فقالت :
ـ أبَلغك يا رسول الله
عن جعفر و أصحابه شيء ؟
أجاب النبيّ بحزن : ـ
نعم أُصيبوا هذا اليوم .
و غادر النبيّ المنزل
و أوصى ابنته فاطمة أن تصنع لهم طعاماً لأنّهم في مصيبة .
ذو الجناحين
و عندما عاد جنود
الإسلام من مؤتة راحوا يحكون لأهليهم قصص البطولات عن جعفر بن أبي طالب و إخوانه من
الشهداء .
قال أحدهم : لقد وجدنا
في جسمه تسعين جرحاً .
و قال آخر : لقد رأيته
عندما قطعت يده اليمنى .
و قال ثالث : و أنا
رأيته عندما قطعت يده اليسرى ، ثم هوى على الأرض و جرحه تنزف دماً .
و قال سيدنا محمّد :
لقد أخبرني جبرئيل إن الله عز وجل قد وهب جعفر جناحين يطير بهما في الجنّة .
و في تلك الليلة ، أوى
أولاد جعفر إلى النوم ، كانوا ينظرون السماء المليئة بالنجوم و يحلمون بأبيهم
الشهيد الذي يطير بجناحين كالملائكة .
|