في شهر رجب سنة 60
للهجرة مات معاوية بن أبي سفيان بعد أن حكم بلاد الإسلام عشرين سنة ، و قد قتل في
مدّة حكمه كثيراً من صحابة سيدنا محمد
(
صلى الله عليه وآله )
من بينهم حجر بن عدي الكندي و عمرو بن الحمق الخزاعي و رشيد الهجري ، كما اغتال
بالسمّ الإمام الحسن سبط النبي
(
صلى الله عليه وآله )
و مالك الأشتر و سعد بن أبي وقاص و غيرهم .
كان معاوية قد عهد
بالحكم إلى ابنه يزيد ، دون رضا المسلمين و استشارتهم ، فتحولت الخلافة إلى مُلكٍ
يرثه الأبناء عن الآباء .
شعر المسلمون بالغضب
لذلك ، لأنه شاب فاسق يشرب الخمر و يقضي وقته في اللعب و اللهو مع قروده و كلابه .
تمنى المسلمون في
الكوفة و غيرها من المدن أن يكون الإمام الحسين خليفة فهو سبط سيدنا محمد
(
صلى الله عليه وآله )
و رجل معروف بالتقوى و الصلاح و الايمان و احسانه للفقراء و المساكين .
لهذا بعث المسلمون في
الكوفة مئات الرسائل و أرسلوا إليه الوفود ليأتي اليهم و يخلصهم من الظلم .
كان الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
في المدينة المنورة ، و كان هو الآخر يرى أن مبايعة يزيد أمر مخالف للإسلام ، لهذا
امتنع عن البيعة و أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل سفيراً إلى الكوفة .
أوصى الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
ابن عمّه أن ينزل ضيفاً عند أوثق أهل الكوفة .
الكوفة
كان الناس في مدينة
الكوفة ينتظرون قدوم الإمام الحسين ، فقد ملّوا ظلم الأمويين و اشتاقوا إلى عدل
الإمام علي
(
عليه السَّلام )
.
سمع أهل الكوفة بقدوم
مسلم بن عقيل و حلوله ضيفاً في منزل المختار الثقفي .

و هكذا ازدحم الناس
حول منزل المختار لرؤية مسلم سفير الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
و مبايعته على إقامة حكم الله .
قرأ مسلم رسالة الإمام
الحسين إلى أهل الكوفة .
ـ بسم الله الرحمن
الرحيم
من الحسين بن علي إلى
الملأ من المؤمنين و المسلمين ....
أما بعد ...
فان هانئاً و سعيداً
قدما عليّ بكتبكم و كانا آخر من قدما عليّ من رُسلكم و قد فهمت كلّ الذي قصصتم و
ذكرتم ، و مقالة جُلكم أنّه ليس علينا امام غيرك ، فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على
الهدى و الحق ، و قد بعثت اليكم أخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل و
أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم ، فان كتب انّه قد أجمع ملئكم و ذووالفضل و
الحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم و قرأت في كتبكم ، أقدم عليكم و شيكاً إن
شاء الله .

فلعمري ما الإمام إلاّ
العامل بالكتاب و الآخذ بالقسط والدائن بالحق و الحابس نفسه على ذات الله .
شعر المسلمون بالأمل و
هم يستعمون إلى رسالة الإمام الحسين .
نهض المختار و بايع
سفير الحسين على إقامة حكم الإسلام و الثورة ضد الظالمين و نصرة المقهورين .
كان المختار أول من
بايع من المسلمين ، و بايع آلاف الناس حتى بلغ عددهم ثمانية عشر ألفاً .
المختار الثقفي
ولد المختار بن أبي
عبيد بن مسعود الثقفي في مدينة الطائف في السنة الأولى من الهجرة النبوية .
كان والده من الذين
اعتنقوا الإسلام و أخلصوا له ، قاد بعض معارك الفتح الإسلامي في بلاد فارس و استشهد
في معركة " الجسر " عندما هجم عليه فيل مدرب فتولّى ابنه " جبر " القيادة بعده
فاستشهد أيضاً .
أصبح منزل المختار
مقرّاً لقيادة الثورة في الكوفة يقصده المسلمون كلّ يوم .
نقل الجواسيس الأخبار
إلى يزيد بن معاوية في دمشق و أخبروه بتساهل الوالي " النعمان بن بشير الأنصاري " .
استشار يزيد " سرجون "
و هو رجل مسيحي حاقد على المسلمين .
أشار " سرجون " بتعيين
" عبيد الله بن زياد " والي البصرة حاكماً على الكوفة أيضاً .
وصل عبيد الله بن زياد
إلى الكوفة ، و أصدر أمراً بإلقاء القبض على مسلم .
اختفى مسلم في أحد
بيوت الكوفة و أُلقي القبض على المختار و سيق إلى " الطامورة " و الطامورة سجن مخيف
تحت الأرض .
ملأ عبيد الله السجون
من الناس الأبرياء ، و بثّ الجواسيس في الكوفة بحثاً عن مسلم بن عقيل .
اضطر مسلم لإعلان
الثورة ، فاجتمع حوله آلاف الناس .
حاصر مسلم بقوّاته قصر
الامارة عدّة أيام .
كان عبيد الله بن زياد
رجلاً خبيثاً فراح يبث الشائعات ، و يقول سوف يصل جيش الشام الجرّار و سوف يدمّر
الكوفة و يقتل الناس .
صدّق الناس تلك
الشائعات فتركوا سفير الحسين وحيداً ، و اضطر مسلم للإختفاء مرّة اُخرى .
منزل طوعة
اكتشف الجواسيس مخبأ
مسلم و كان منزلاً لامرأة عجوز طيّبة تدعى طوعة .
ارسل عبيد الله بن
زياد الشرطة لإلقاء القبض عليه ، و عندما طلبوا منه الاستسلام رفض و راح يقاتلهم
لوحده .
و بعد أن أُصيب بجروح
بليغة و عرضوا عليه الأمان ، توقف عن المقاومة ، فأُلقي القبض عليه و سيق إلى قصر
الأمارة .
كان عبيد الله بن زياد
يحقد على أهل البيت و اتباعهم ، لهذا أمر باعدامه مع أحد أنصاره و اسمه هانئ بن
عروة و كان من سادات الكوفة و أشرافها ، كما أمر بإلقاء جسديهما من فوق القصر .
ساد الخوف مدينة
الكوفة ، بعد أن أصبح الحاكم يقتل الناس و يسجنهم لأقلّ تهمة .
معركة كربلاء
غادر الإمام الحسين
المدينة المنورة إلى مكة في موسم الحج ، و عندما علم أن يزيد أرسل جواسيسه لاغتياله
، فضّل مغادرة مكة و قال :
ـ لا أُريد أن تستحلّ
حرمة الكعبة بقتلي .
قصد الحسين الكوفة . و
في الطريق سمع بقتل مسلم و هانئ و قيس بن مسهر الصيدواي و غيرهم .
و في صحراء كربلاء
فوجئت قافلة الحسين
(
عليه السَّلام )
بألف فارس يقطعون عليه الطريق .
ثم تعاقبت الكتائب
العسكرية إلى أن أصبحت أربعة آلاف .
كان الحسين في سبعين
رجلاً من أهل بيته و أنصاره .
و عندما طلبوا من
الإمام الاستسلام و مبايعة يزيد أو الحرب قال قولته المشهورة :
ـ هيهات منّا الذلّة
...
اختار الإمام طريق
الاستشهاد .
و في صباح اليوم
العاشر من المحرّم حدثت معركة كربلاء حيث شن آلاف الجنود من المشاة و الفرسان
هجوماً وحشياً فتصدّى الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
و أصحابه للهجوم ببسالة و دارت معارك ضارية أدهشت العدوّ ، فقد إستطاع سبعون
مقاتلاً فقط الاستمرار في المقاومة و القتال من ساعات الفجر الأولى إلى العصر .
و عندما لم يبق مع
الحسين أحد ، خرج يقاتل تلك الألوف المدججة بالسلاح وحيداً . فجسد بقتاله و بسالته
أعظم الملاحم في تاريخ البشرية .
أغار الجيش بعد قتل
الحسين و قام بإحراق الخيام ، ثم ساق النساء و الأطفال أسرى ، و قطع رؤوس الشهداء و
رفعوها فوق الرماح .
رأس الحسين
(
عليه السَّلام )
قدّم الشمر و هو الذي
ذبح الحسين
(
عليه السَّلام )
رأس سبط سيدنا محمد
(
صلى الله عليه وآله )
إلى عبيد الله بن زياد .
رأى الناس رأس الحسين
فتألموا و ندموا على تقاعسهم عن نصرة ابن رسول الله .
أمر عبيد الله بن زياد
باحضار المختار من السجن .
و عندما أحضر الحرّاس
المختار و رأى رأس الحسين صاح بألم :
ـ آه .
و من ذلك الوقت فكّر
المختار بالثورة و الاقتصاص من قتله أولاد الأنبياء الذين يقتلون النفس التي حرّم
الله قتلها ، و يغتصبون حقّ الناس .
ميثم التمار
كان ميثم التمّار
رجلاً صالحاً من أصحاب الإمام علي
(
عليه السَّلام )
و قد تعلّم الكثير من علم الإمام .
عندما أُلقي المختار
في السجن كان ميثم مسجوناً معه .
ذات يوم قال المختار
لميثم :
ـ ان هذا الظالم ابن
زياد سيقتلنا بعد ما قتل ابن رسول الله .
قال ميثم :
ـ أخبرني حبيبي علي
اني سأُقتل و أُصلب على جذع نخلة ، أما أنت فستخرج من السجن و ستقتل هذا الطاغية
برجلك على وجهه .
صفية
كانت صفية أُخت
المختار زوجة لعبد الله بن عمر بن الخطاب ، و كان عبد الله على علاقة طيبة مع يزيد
بن معاوية فتوسط للمختار .
كان عبيد الله مصمماً
على قتل المختار و لكن مبعوثاً من قبل يزيد جاء على وجه السرعة و معه أمر بإطلاق
سراح المختار من السجن .
قرأ عبيد الله بن زياد
الرسالة و امتثل لأمر يزيد فاستدعى المختار من السجن و قال له بقسوة :
ـ أمهلك ثلاثة فقط فان
وجدتك في الكوفة بعدها قتلتك .
غادر المختار الكوفة
متوجهاً إلى مكة .
عبد الله بن الزبير
كان عبد الله بن
الزبير قد أعلن نفسه خليفة و بايعة الناس ، بعضهم كان يحبّه ، و بعضهم كان يكره
الأمويين .
كان المختار يعرف عبد
الله بن الزبير و أطماعه و لكنه بايع ابن الزبير لأنّه عدوّ لبني أمية الظالمين .
في تلك الفترة ثار أهل
المدينة المنورة و فيهم أغلب صحابة سيدنا محمد
(
صلى الله عليه وآله )
على يزيد ، بعد أن قتل الامام الحسين و سبى عياله .
و لكن جيش الشام
بقيادة مسلم بن عقبة الذي سمّاه الناس آنذاك مجرم بن عقبة اقتحم المدينة المنورة و
حرم النبي و ارتكب المذابح و اعتدى على أعراض الناس ، و قد بلغ عدد القتلى أكثر من
خمسة عشر ألف من الأبرياء فيهم سبعمئة من الصحابة و التابعين . كما عرض النساء
للبيع في الأسواق .
و بعد هذه المذبحة
تحرّك جيش يزيد نحو مكة لإخضاعها .
الدفاع عن بيت الله
في الطريق إلى مكة
لدغت عقرب قائد الجيش مجرم بن عقبة فمات ، فتولّى قيادة الجيش الحصين بن نمير ، و
هو أحد الذين اشتركوا في مذبحة كربلاء .
حاصر جيش الشام مكة
المكرمة ، و أخذ الجنود مواقعهم فوق التلال و رؤوس الجبال .
نصبوا " المجانيق " و
هي آلات تشبه المدافع يقذفون بها كتل النار .
أصدر الحصين أوامره
بقصف المدينة :
ـ اقصفوهم بالمجانيق .
قال أحد الجنود :
ـ انّهم يحتمون
بالكعبة أيّها القائد .
صاح القائد بحقد :
ـ اقصفوا الكعبة اذن
... نحن ننفّذ أمر الخليفة يزيد .
قصف الجنود الكعبة
بالمجانيق و تساقطت الحجارة المشتعلة بالنار فوق المنازل و المساجد و شبّت النيران
في جدران الكعبة .
بعد قصف شديد أمر
الحصين الفرسان باقتحام مكة و قتل كل من يصادفهم .
هجم الفرسان تتبعهم
قوات المشاة المدججين بالسلاح .
و دارت معارك ضارية في
الحرم ، كان المختار يقاتل ببسالة دفاعاً عن بيت الله الحرام ، و استطاع دفع الغزاة
إلى الوراء و اجبارهم على التراجع .
و بينما كان الحصار
مستمراً ، و المعارك ضارية وصل نبأ هام .
جاء فارس من دمشق و
اجتمع بالحصين بن نمير قائلاً :
ـ لديّ خبر مهم .
ـ تكلّم .
ـ لقد تُوفي الخليفة
يزيد بن معاوية .
ـ ماذا ؟
فوجئ الحصين بالخبر
فطلب منه التزام الصمت ، و لكن سرعان ما انتشر الخبر بين جنود الشام الذين ملّوا
الحصار و اسنتكروا قصف الكعبة بيت الله ثم التوجه اليها عند الصلاة !
العودة إلى الكوفة
انتهى الحصار بعد
انسحاب الحصين بن نمير و توجهه إلى دمشق .
قرّر المختار العودة
إلى الكوفة بعد فراق دام اكثر من أربع سنوات .
كان عبيد الله بن زياد
قد فرّ إلى دمشق بعد وفاة يزيد بن معاوية .
انتهز أهل الكوفة
الفرصة و أعلنوا تأييدهم لعبد الله بن الزبير .
عيّن ابن الزبير عبد
الله بن مطيع والياً على الكوفة ، و التف حوله بعض الزعماء الذين اشتركوا في مذبحة
كربلاء .
و ذات يوم قال أحدهم :
ـ أيها الأمير ان
المختار أشدّ خطراً من سليمان بن صرد . ان سليمان قد خرج من الكوفة لقتال أهل الشام
، أما المختار يريد الثورة في الكوفة للإنتقام من قتله الحسين .
و قال آخر :
ـ أرى أن تسجنه أيُها
الأمير ، من الأفضل أن نتغدى به قتل أن يتعشى بنا .
استجاب الأمير لهم و
أصدر أمراً بإلقاء القبض على المختار و إبداعه السجن .
سليمان بن صرد
كان سليمان بن صرد
صحابياً جليل القدر ، و هو من الذين تألموا لقتل الحسين
(
عليه السَّلام )
و عدم نصرته . لهذا دعا أهل الكوفة لإعلان توبتهم و ندمهم على تقاعسهم عن نصرة
الحسين في كربلاء .
استجاب له أربعة آلاف
مسلم فألّف جيشه منهم و أعلن ثورته على بني اُمية الذين قتلوا الحسين
(
عليه السَّلام )
و سبوا عياله .
و رغم قلّة الجنود فقد
كانوا متحمسين للقتال فزحفوا باتجاه الشام ، بعد أن زاروا قبر الحسين و بكوا كثيراً
حوله .
و في منطفة عين الوردة
على حدود الشام مع العراق اصطدموا بجيش عبيد الله بن زياد الذي يتالّف من ثمانين
ألف جندي ، و دارت معارك ضارية استشهد فيها سليمان بن صرد ، و الذين تعاقبوا بعده
في القيادة . و بعد أن تسلّم رفاعة بن شداد القيادة ، قرّر الانسحاب إلى الكوفة .
الرسالة
بعث المختار من سجنه
رسالة إلى رفاعة و أصحابه جاء فيها :
أما بعد ...
فان الله قد أعظم لكم
الأجر و حط عنكم الوزر بمقارعة الظالمين ، انّكم لم تنفقوا نفقة و لم تقطعوا عقبة ،
و لم تخطوا خطوة إلاّ رفع الله لكم بها درجة و كتب لكم بها حسنة .
و أرسل رفاعة رسالة
جوابية قال فيها انّه مستعد و أصحابه لاقتحام السجن و إطلاق سراحه ، غير أن المختار
أشار عليهم بعدم الإقدام على ذلك .
الثورة
توسط عبد الله بن عمر
بن الخطاب للمختار مرّة أخرى ، فأطلق سراحه ، و فور خروجه من السجن بدأ يعبّئ الناس
للثورة و الاقتصاص من الذين ارتكبوا مذبحة عاشوراء .
و في تلك المدّة تلقى
المختار رسالة تأييد من محمد بن الحنفية و هو ابن الإمام علي
(
عليه السَّلام )
، فساعد ذلك على التفاف الناس حوله ، كما انضم اليه إبراهيم بن مالك الأشتر ، و هو
قائد عسكري كبير و شجاع .

اتفق الثائرون على أن
تكون ليلة الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول عام 66 هجرية موعد ساعة الصفر
لأعلان الثورة .
و كان الجواسيس ينقلون
التقارير و يحذّرون من تحرّك قد يقوم به المختار ، و دوريات الشرطة تجوب أرقّة
الكوفة تحسباً للطوارئ .
اشتعال الثورة
و في ليلة الثلاثاء
الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، أي قبل موعد الثورة بيومين ، و بينما كان إبراهيم
الأشتر و معه بعض أصحابه في طريقه إلى منزل المختار ، صادفته إحدى الدوريات .
صاح قائد الشرطة : مَن
أنتم ؟
أجاب الأشتر :
ـ أنا إبراهيم بن مالك
الأشتر .
قال قائد الشرطة :
ـ مَن هؤلاء الذين معك
... و هل لديك ترخيص بالخروج ليلاً ؟
قال إبراهيم :
ـ كلاً .
قال قائد الشرطة :
ـ اذن يجب اعتقالكم .
اضطر إبراهيم لمهاجمته
قبل أن يعتقله فقتله و لاذ أفراد الدورية بالفرار .
أسرع إبراهيم و أصحابه
إلى المختار و أخبروه .
قال إبراهيم :
ـ يجب إعلان الثورة
فوراً .
سأل المختار :
ـ ماذا حدث ؟
ـ لقد قتل قائد الشرطة
و لا مفرّ من الإسراع في اعلان الثورة .
استبشر المختار و قال
:
ـ بشّرك الله بالخير
هذا أول الفتح .
يا لثارات الحسين
أصدر المختار أوامره
بايقاد النيران و هي العلامة المتفق عليها ، كما أمر بإطلاق شعارات الثورة يا منصور
أمت و هو شعار سيدنا محمد في معركة بدر .
و في قلب الظلام
استيقظ سكّان الكوفة على شعارات يا لثارات الحسين ، وهب الثائرون إلى منزل المختار
الذي أصبح مركزاً لقيادة الثورة و دارت معارك ضارية في شوارع الكوفة و أزقتها و
استسلم جنود الوالي و شرطته ، كما فرّ الوالي نفسه إلى الحجاز .
في مسجد الكوفة
و في مسجد الكوفة
ارتقى المختار الثقفي المنبر و أعلن أهداف الثورة .
ـ تبايعوني على العمل
بكتاب الله و سنّة نبيّه .
و الطلب بدماء أهل
البيت
(
عليهم السلام )
.
و جهاد المُحلِّين (
الذين أحلّوا ما حرّم الله ) .
و الدفاع عن الضعفاء .
و عمّت الفرحة بين
الناس ، بعد أن رأوا في سياسة المختار بعض ما رأوه من عدل علي
(
عليه السَّلام )
و مساواته بين الناس .
ألغى المختار سياسة
التمييز العنصري التي اتبعها بنو أمية في تفضيل العرب على غيرهم ، و أقرّ العدالة .
النصر
كان الجيش الأموي
يواصل زحفه نحو الكوفة بعد معركة عين الوردة ، فاحتل مدينة الموصل ، و استعد للزحف
بعدها إلى الكوفة .
جهّز المختار جيشاً من
ثلاثة آلاف بقيادة يزيد بن أنس و كان شيخاً صالحاً معروفاً بالشجاعة .
و خاض جيش المختار فور
وصوله ضواحي الموصل معركتين مع طلائع الجيش الأموي و انتصر في كليهما .
و أعقب ذلك أن توفي
يزيد بن أنس ، فأحدث ذلك تأثيراً سيئاً على معنويات الجنود الذين تهيبوا ضخامة
الجيش الأموي ففضّلوا الإنسحاب إلى الكوفة .
الشائعات
أشاع الحاقدون على
المختار و في طليعتهم قتله الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
ان جيش المختار قد هُزم و ان يزيد ين أنس قد قتل في المعارك فأمر المختار قائدة
الشجاع إبراهيم بن مالك الأشتر بالتحرك نحو الموصل على رأس جيش قوامه سبعة آلاف
مقاتل .
عندما غادر الجيش
الكوفة انتهز أعداء المختار الفرصة و اجتمعوا في منزل شبث بن ربعي قائد المشاة في
مذبحة كربلاء و دبّروا مؤامرة للإطاحة بحكومة المختار .
كان هناك الكثير من
الحاقدين بسبب سياسة المختار التي قضت على مصالحهم و امتيازاتهم .
و هكذا خرج المتمرّدون
إلى الشوارع في زمر مسلّحة و حاصروا قصر الامارة .
و رغم شدّة الحصار
إلاّ ان المختار تمكّن من إرسال فارس على وجه السرعة إلى إبراهيم يطلعه على ما حدث
و يأمره بالعودة .
و بعد ثلاثة أيام من
الحصار ، فوجئ المتمردون بعودة الجيش الذي قام بانهاء التمرّد بسرعة ، و أُلقي
القبض على المتآمرين فيما فرّ بعضهم .
أُلقي القبض على حرملة
بن كاهل الذي ذبح طفل الحسين و تمّ اعدامه كما أُلقي القبض على سنان بن أنس من
الذين اشتركوا في قتل الحسين ، و تم اعدام عمر بن سعد قائد الجيش في مذبحة كربلاء و
غيرهم .
كما فرّ شبث بن ربعي
إلى البصرة ، أما الشمر بن ذي الجوشن فقد فرّ ايضاً و لكنه طورد حيث عُثر عليه في
قرية من قرى واسط و تم إنزال القصاص بحقّه ، و كان الشمر قد تولّى ذبح الامام
الحسين
(
عليه السَّلام )
و قام بحمل رأسه إلى الكوفة ثم إلى دمشق و قال عندما دخل على يزيد :
ـ املأ ركابي فضة و
ذهبا
اني قتلت السيّد
المهذّبا
قتلت خير الناس أمّاً
و أبا
الصوم شكراً لله
كان المختار من الرجال
الصالحين و كان إذا أراد أن يشكر الله على نعمة صام .
لهذا صام المختار
شكراً لله على ما أنعم عليه من النصر على أعداء أهل البيت محمد
(
صلى الله عليه وآله )
، الذين قتلوا سبط النبي و سبوا عياله .
و كان المختار يؤمن
بأن نِعم الله لا تعدّ و لا تحصى ، و قد قال الله سبحانه " و ان تعدّوا نعمة الله
لا تحصوها " لهذا كان يصوم أغلب أيام السنة .
معركة الخازر
وصل جيش إبراهيم نهر
الخازر واصطدم بجيش عبيد الله بن زياد ، و دارت معارك عنيفة ، استبسل فيها جيش
الكوفة في القتال و قامت فرقة إنتحارية بهجوم جريء استهدف مقرّ قيادة الجيش الأموي
، فتمكنت من قتل عبيد الله بن زياد و الحصين بن نمير و غيرهما من القادة الكبار ،
وقد أدّى ذلك إلى هزيمة ساحقة و انتشرت أخبار انتصار المختار في المدن الإسلامية ،
و فرح المسلمون بمقتل الطاغية عبيد الله بن زياد .

و كانت معركة الخازر
مصداقاً لقوله تعالى : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله " .
لقد انتصر جيش إبراهيم
بن مالك الأشتر الصغير على جيش كبير يفوقه عشرة أضعاف .

عبد الملك بن مروان
كانت سياسة المختار
مهادنة ابن الزبير و توحيد الجهود ضد أعداء الإسلام من بني أمية .
غير أن ابن الزبير لم
يكن يفكّر إلاّ بالحكم و السلطة ، لهذا كان يشعر بالقلق من تنامي نفوذ المختار ، و
تصاعد شعبيته خاصّة بعد قضائه على مرتكبي مذبحة عاشوراء .
عندما مات يزيد بن
معاوية جاء إلى الخلافة ابنه معاوية ، و لكن معاوية كان شاباً مؤمناً بالله و رسوله
، فاعترف بظلم جدّه و اغتصابه للحقّ و اعترف بفسق أبيه و ما فعله بالإمام الحسين و
اسرته ، لهذا أعلن تنازله عن الخلافة .

و كان مروان بن الحكم
يطمع بالخلافة فانتهز الفرصة و سيطر على الحكم و بقي مدّة ستة أشهر حتى مات فتولّى
ابنه عبد الملك شوؤن الحكم .
أرسل عبد الملك جيشاً
كبيراً لاحتلال المدينة المنورة ، عندما سمع المختار بذلك عبأ جيشاً من ثلاثة آلاف
مقاتل لإنقاذ مدينة الرسول
(
صلى الله عليه وآله )
.
كان ابن الزبير قد
أرسل جيشاً من ألفي مقاتل من أجلّ حماية المدينة أيضاً ، كان هذا في الظاهر و لكن
المهمة كانت الغدر بجيش المختار .
انتهز جيش ابن الزبير
انشغال جنود المختار فغدروا بهم فقتلوا العشرات منهم ، و فرّ الباقون ليموتوا في
الصحراء جوعاً و عطشاً .
كان ابن الزبير يحقد
على العلويين لهذا جمعهم في جبل رضوى خارج مكة و فرض عليهم الإقامة الجبرية هناك ،
و هدم دورهم .
أرسل المختار خمسة
آلاف جندي لفك الحصار عنهم ، فحرّرهم و أعاد بناء دورهم التي هدّمها اين الزبير .
مصعب ابن الزبير
فكّر عبد الله بن
الزبير في تعيين حاكم جديد على البصرة يمتاز بالقسوة ، لم يجد ابن الزبير سوى أخاه
مصعب ، فأرسله إلى البصرة .
دخل مصعب البصرة و
ألقى خطاباً هاجم فيه المختار بكلّ أنواع الشتائم و قال :
ـ لقد بلغني أنّكم
تلقبون امراءكم و قبل أن تلقبوني فقد لقبت نفسي بالجزار .
كان الفارّون من عدالة
المختار و الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء يلتفون حول مصعب و يحرّضونه على قتال
المختار .
النهاية
عبأ مصعب جيشاً كبيراً
و تقدّم به نحو الكوفة .
فوجئ المختار بهذا
الزحف ، و كان إبراهيم بن مالك الأشتر ما يزال في مدينة الموصل .
اضطر المختار إلى
مواجهة ابن الزبير بقواته المحدودة ، و اشتبك الفريقان في حروراء جنوبي الكوفة ،
استطاع المختار إحراز بعض الانتصارات في الجولات الأولى .
ثم دارت الدائرة على
جيش المختار ، فاضطر إلى التراجع إلى الكوفة و التحصّن داخل القصر .
استمر حصار القصر
أربعة شهور متوالية ، كان المختار خلالها يحاول كسر الحصار عن طريق حرب الشوارع و
لكن أهل الكوفة خذلوه أيضاً فظل وحيداً مع قوّاته .
و في الرابع عشر من
شهر رمضان سنة 67 هجري قرّر المختار مغادرة القصر و قال لأصحابه :
ـ ان الحصار لا يزيدنا
إلاّ ضعفاً ، فلنخرج اليهم حتى نموت كراماً و لم يستجب للمختار سوى سبعة عشر رجلاً
فقط فخرج يقاتل بهم الألوف المحدقة بالقصر .
كان المختار يقاتل و
هو راكب على بغلة شهباء ، و رغم بلوغه السابعة و الستين فقد أبدى مقاومة عنيفة و
شجاعة نادرة إلى أن هوى على الأرض شهيداً .
أغرى مصعب الذين ظلّوا
في القصر و خدعهم بالأمان و أعطاهم الميثاق أن لا ينالهم بسوء .
و لكن عندما فتحوا
أبواب القصر ، أصدر أمراً بإعدام الجميع و نفّذ حكم الإعدام بسبعة آلاف انسان في
يوم واحد ، و كانت مذبحة مروّعة لم تشهد لها الكوفة نظيراً في التاريخ .
المرأة المؤمنة
أصدر مصعب أمراً القبض
على زوجة المختار و كانت إمرأة مؤمنة صالحة ذات أدب و حسب و نسب تدعى " عمرة " و هي
ابنة النعمان بن بشير الأنصاري .
طلب مصعب أن تتبرأ من
زوجها فقالت مستنكرة :
ـ كيف تريدني أن أتبرأ
من رجل يقول ربي الله .
كان صائماً نهاره
قائماً ليله
و قد بذل دمه لله و
رسوله .
و أخذ بثأر سبط النبي
الحسين بن علي .
فقال مصعب مهدداً :
ـ إذن فسألحقك بزوجك .
و أجابت المرأة
المؤمنة :
شهادة أزرقها في سبيل
الله خير من الدنيا و ما فيها ، انّها موتة و من ورائها الجنّة . و الله أُفضّل على
ولايتي لعليّ بن أبي طالب شيئاً .
قرّر مصعب قتلها ،
فاقتيدت ليلاً إلى مكان بين الحيرة و الكوفة ، و في وسط الصحراء و الظلام تقدّم
الجلاّد و هوى بسيفه الغادر على عنق تلك المرأة المؤمنة الصابرة .
و استشهدت رحمها الله
دفاعاً عن الأهداف التي استشهد من أجلها الحسين
(
عليه السَّلام )
و سار على دربها المختار ، و كانت أول امرأة يضرب عنقها صبراً في تاريخ الإسلام .
و بمصرع المختار و
زوجته انطوت صفحة مشرقة من تاريخ الجهاد المضيء . ما تزال تنير الطريق للأجيال .
و في ذلك العام ظلّ
الناس يرددون بحزن شعراً قاله عمر بن ربيعة في رثاء زوجة المختار .
ان من أعجب العجائب
عندي قتل بيضاء حرّة عطبول
قُتلت هكذا على غير
جرم ان لله درَّها من قتـيل
كتب القتل و القتال
علينا و على الغانيات جرّ الذيول
|