كانت الصحراء مدّ
البصر ، واسعةً مترامية الأطراف ، و السماء مليئة بالنجوم .
غادر شيخ في الخامسة و
السبعين من عمره خيمته ، ركب حصانه و مضى .
كان يسمع من بعيد عواء
الذئاب ، و لكن الشيخ لم يكن ليخاف شيئاً ، كان همّه أن يصل مضارب " قبيلة بني أسد
" قرب نهر الفرات .
عندما وصل نبحت بعض
الكلاب ، و كان بعض رجال بني أسد جالسين في خيمة كبيرة يتسامرون .
حيّى الشيخ رجال
القبيلة ، فنهضوا له إجلالاً ، كانت تبدو عليه سيماء المهابة و لكنّهم لم يعرفوه .
جلس الشيخ ، و تطلّع
إليه الرجال ينظرون إلى قسماته الهادئة ، و لحيته البيضاء كالقطن .
أنا حبيب
قال الشيخ معرّفاً
نفسه :
ـ أنا حبيب بن مظاهر ،
أنتمي إلى إحدى بيوتات بني أسد .
و كان رجل طاعن في
السن ، عارف بالأنساب فعرفه و قال :
ـ صدق هذا ابن رئاب بن
الأشتر ابن فقعس بن طريف بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد .
و قال رجل آخر :
ـ نعم هذا صاحب رسول
الله
(
صلى الله عليه و آله )
، سكن الكوفة أيام أمير المؤمنين علي
(
عليه السَّلام )
، و قاتل معه في حرب الجمل و صفين و النهروان .
سأل أحدهم :
ـ و لكن ماذا جاء بك
يا شيخ بني أسد ؟!

فقال حبيب بوجهه
الهادئ :
ـ جئتكم بخير ما أتى
به رائدٌ قومه .
تطلّع الرجال إليه
باهتمام . فقال :
ـ هذا الحسين بن علي
أمير المؤمنين و ابن فاطمة بنت رسول الله
(
صلى الله عليه و آله )
قد نزل بين ظهرانيكم ( قريباً منكم ) في عصابة ( جمع ) من المؤمنين و قد أحاط به
أعداؤه ليقتلوه ، فأتيتكم لتمنعوه ( لتحموه ) و تحفظوا حرمة رسول الله فيه ، فو
الله لئن نصرتموه ليعطينكم الله شرف الدُّنيا و الآخرة .
نهض أحد الرجال وكان
اسمه عبد الله بن بشير الأسدي و قال :
ـ شكر الله سعيك يا
أبا القاسم فو الله لقد جئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحب فالأحبّ ، أما أنا
فأوّل مَن أجاب .
و نهض رجال كثيرون ، و
استيقظت القبيلة رجالها و نساؤها و أطفالها ، و أعلنوا تأييدهم ، و تطوّع الرجال
للقتال دفاعاً عن الإمام الحسين سبط سيّدنا محمّد
(
صلى الله عليه و آله )
.
بلغ عدد المتطوعين
تسعين مقاتلاً خرج حبيب يقودهم نحو منطقة تدعى كربلاء ، حيث معسكر الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
و أهل بيته و أنصاره من المؤمنين .
كان في بني أسد رجل
خائن ، فانسلّ في الظلام و أسرع ليخبر " عمر بن سعد " قائد جيش يزيد .
كان جيش يزيد قد قطع
الطريق على قافلة الإمام الحسين ، و منع عنهم الماء .
جهّز عمر بن سعد فرقة
مؤلّفة من خمسمائة فارس بقيادة رجل يدعى " الأزرق " .
قطع الفرسان الطريق
على بني أسد ، طلب الأزرق من بني أسد العودة فرفضوا ، فنشبت معركة سقط فيها رجال من
بني أسد قتلى و جرحى .
أدرك المتطوعون أنّهم
أمام جيش كبير و من ورائه إمدادات كبيرة ففضّلوا الإنسحاب .
و عندما وصلوا إلى
مضارب قبيلتهم حذروا قومهم من البقاء في هذه المنطقة .
بادر الرجال إلى جمع
الخيام بسرعة و الإنتقال إلى مكان آخر في الصحراء .
عاد حبيب وحيداً ، كان
يشعر بالحزن لما حصل ، فأخبر الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
.
فقال الإمام
(
عليه السَّلام )
: و ما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله .
في كربلاء
عندما مات معاوية بن
أبي سفيان جاء إلى الحكم بعده ابنه يزيد ، فأصبحت الخلافة ملكاً يتوارثه الأبناء عن
الآباء .
كان يزيد رجلاً فاسقاً
، أي منحرفاً عن الإسلام ، فهو يشرب الخمر و يرتكب المحرّمات ، كما انّه يقضي وقته
في اللعب و اللهو مع كلابه و قروده ، لهذا امتنع الإمام الحسين عن مبايعته .
و كان الناس في كثير
من المدن الإسلامية يعانون ظلم بني أُمية ، و كان أملهم أن يموت معاوية فيتخلصوا من
الظلم .
عندما عرفوا أن يزيد
أصبح خليفة تألموا كثيراً و شعروا بالغضب ، إذ كيف يحكم يزيد بلاد الإسلام ، و هو
لا يحترم الإسلام و لا يحبّ المسلمين ؟!

و كان الناس في الكوفة
يحبّون الإمام علي بن أبي طالب
(
عليه السَّلام )
لما رأوه من العدل و الرحمة في عهده ، لهذا بعثوا آلاف الرسائل إلى ابنه الإمام
الحسين
(
عليه السَّلام )
، فهو ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله
(
صلى الله عليه و آله )
كما إن الناس يعرفون سيرته و إنسانيته و حبّه و عطفه على إخوانه المسلمين .
كان الإمام الحسين في
مكّة يستقبل الوفود و معهم رسائل كثيرة تحمل آلاف التواقيع و الأسماء و كلّهم
يقولون : أقدِم علينا ليس لنا إمام ( قائد ) غيرك .
عندما يشعر الناس
بالظلم و القهر و عندما يجوعون و يتعذبون فانّهم يبحثون عن إنسان يخلّصهم من الظلم
و يحرّرهم من الاستعباد ، لهذا توجّهت أنظارهم نحو الإمام الحسين ، فهو الوحيد
القادر على تخليصهم من العذاب و القهر .
إستجاب الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
لطلبهم ، و عقد العزم على الثورة ضدّ يزيد بن معاوية . فغادر مكّة متوجهاً نحو
الكوفة .

أخذ معه عياله من
أطفال و نساء و بنات و كان معه رجال من أهل بيته و أنصاره .
الحصار
كان عبيد الله بن زياد
قد أرسل فرقة عسكرية مؤلّفة من ألف فارس لقطع الطريق على قافلة الإمام الحسين .
كان الجوّ حارّاً
جدّاً ، و قد نفد ما عندهم من الماء ، و عندما رآهم الإمام الحسين بهذه الحالة أمر
أصحابه أن يسقوهم الماء ، فسقوهم و سقوا الخيل أيضاً .
عندما أصبحوا قريباً
من نهر الفرات عسكر الإمام الحسين ، و نصبت الخيام وصلت الفرق العسكرية و أصبح جيش
يزيد أكثر من أربعة آلاف مقاتل ، فاحتلوا شاطئ الفرات ، و فرضوا حصاراً على معسكر
الإمام الحسين و أصحابه و منعوهم عن الماء .

أرسل عمر بن سعد رجلاً
يدعى قرّة بن قيس و قال له :
ـ سل ( اسأل ) الحسين
لماذا جاء إلى الكوفة ؟
عندما جاء قرّة بن قيس
، سأل الإمام الحسين حبيب بن مظاهر :
ـ هل تعرفه ؟
فقال حبيب :
ـ نعم . . هذا قرّة بن
قيس لقد كنت أعرفه بحسن الرأي و ما كنت أظنّه يقاتلك .

جاء قرّة و سلَّم على
الإمام و أبلغه رسالة عمر بن سعد . فقال الإمام :
ـ لقد أرسل إليّ أهل
الكوفة بأن أقدم إليهم فإذا كرهوني انصرفت عنهم .
سكت قرّة بن قيس ،
فقال حبيب :
ـ ويحك يا قرّة كيف
ترجع إلى القوم الظالمين ، انصر الحسين .
قال قرّة :
ـ سأعود بالجواب إلى
عمر ثم أُفكّر .
تاسوعاء
عندما حلّ يوم التاسع
من شهر محرّم الحرام سنة 61 هجري أراد عمر بن سعد الهجوم ليلاً ، فزحف بقوّاته نحو
معسكر الحسين .
سمعت زينب بنت علي بن
أبي طالب أصوات العدوّ فقالت لأخيها الحسين :
ـ لقد اقترب العدوّ .
أمر الإمام الحسين
أخاه العباس أن يسألهم .
ركب العباس فرسه و معه
عشرون فارساً و كان معه حبيب بن مظاهر . فسألهم العباس عمّا يريدون ، فقالوا :
ـ إمّا أن تنزلوا على
إرادة عبيد الله بن زياد دون قيد أو شرط ، أو الحرب .
عاد العباس إلى الإمام
الحسين ليخبره .
ظلّ حبيب في مكانه و
راح ينصحهم قائلاً :
ـ أما و الله لبئس
القوم أنتم عند الله غداً ، قوم يقدمون عليه و قد قتلوا ذريّة نبيّه و أهل بيته و
عبّاد أهل هذا المصر ( الكوفة ) ، المتهجدين بأسحار ( الذين يصلّون لله بعد منتصف
الليل ) الذاكرين الله كثيراً .
قال احدهم و اسمه عزرة
:
ـ انّك لتزكّي نفسك يا
حبيب .
فردّ زهير :
ـ ان الله قد زكّاها و
هداها فاتّق الله يا عزرة فانّي لك من الناصحين .
قال عزرة :
ـ يا زهير ما كنت
عندنا من شيعة أهل البيت .
قال زهير :
ـ كنت عائداً من الحج
فجمعني و إيّاه الطريق فذكرت به رسول الله
(
صلى الله عليه و آله )
و رأيت أن أنصره و أجعل نفسي دون نفسه .
من أجل الصلاة
عندما ذهب العباس
ليخبر أخاه ، قال الإمام :
ـ ارجع إليهم و
استمهلهم ( اطلب منهم مهلة ) هذه العشية ( الليلة ) إلى غد لعلّنا نصلّي لربّنا
الليلة و ندعوه و نستغفره فهو يعلم إني أحبّ الصلاة له و تلاوة كتابه وكثرة الدعاء
و الاستغفار .
عاد العباس إليهم و
استمهلهم إلى غد .
فكّر ابن سعد قليلاً و
ظنّ إن الإمام الحسين ربّما سيغيّر رأيه و يتنازل ، لهذا وافق على تلك المهلة و قال
:
ـ إنّا أجلناكم إلى غد
فإن استسلمتم سرحنا بكم ( أخذناكم ) إلى الأمير ابن زياد و إن أبيتم ( رفضتم )
فلسنا تاركيكم .
الاستعداد للمعركة
انصرف الإمام و أصحابه
إلى الصلاة و الدعاء و قراءة القرآن ، لأنّها ستكون آخر ليلة لهم في هذه الدُّنيا .
كانت الخيام متباعدة
بعضها عن بعض ، فأمر الإمام أن يقاربوا بينها حتى تتشابك الأوتاد ، و يصعب على
العدوّ اختراقها إذا أراد الهجوم . كما أمرهم بحفر خندق خلف الخيام ليكون القتال في
جبهة واحدة .
و جمع الإمام أصحابه و
قال لهم :
ـ اثني على الله أحسن
الثناء و أحمده على السرّاء و الضراّء . اللّهم إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة
، و علمتنا القرآن و فقهتنا في الدين و جعلت لنا أسماعاً و أبصاراً و أفئدة و لم
تجعلنا من المشركين .
أمّا بعد فانّي لا
أعلم أصحاباً أولى و لا خيراً من أصحابي و لا أهل بيت أبرّ و أوصل من أهل بيتي
فجزاكم الله عنّي جميعاً .
و إنّي أظنّ يومنا من
هؤلاء الأعداء غداً و إنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم ذِمام ،
و ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي .
رفض الجميع ذلك فما
قيمة الحياة يعيشها الإنسان بذلّ . و قالوا :
ـ نفديك بأنفسنا و
أموالنا و أهلينا و نقاتل معك .
الأسير
و في الأثناء وصل شاب
، كان يبحث عن أبيه محمد بن بشير الحضرمي .
قال الشاب لأبيه :
ـ لقد وقع أخي في
الأسر في ثغر الري ( قرب طهران ) .
فقال الأب :
ـ ما أحبّ أن يؤسر و
أنا أبقى بعده حيّاً .
قال الإمام الحسين :
ـ أنت في حلّ من بيعتي
فاعمل في فكاك ولدك من الأسر .
رفض محمد بن بشير
قائلاً :
ـ لا و الله لا أفعل
ذلك ، أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك .
فأعطاه الإمام خمسة
أثواب قيمتها ألف دينار و قال :
ـ أعطها إبنك ليعمل في
فكاك أخيه .
و هكذا كان أصحاب
الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
يفضّلون الموت مع الإمام على حياة الذلّ مع الظالمين .
خيمة زينب
خرج الإمام الحسين في
منتصف الليل لتفقّد التلال القريبة ، فرآه أحد أصحابه و اسمه نافع بن هلال الجملي ،
فتبعه فسأله الإمام عن سبب خروجه فقال :
ـ أخاف عليك الغدر يا
بن رسول الله .
فقال الإمام الحسين :
ـ خرجت أتفقّد التلاع
و الروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون و يحملون .
عاد الإمام الحسين
ممسكاً بيد صاحبه الوفيّ هلال ، و في الطريق قال له الإمام :
ـ ألا تسلك بين هذين
الجبلين في جوف الليل و تنجو بنفسك .
بكى هلال و قال :
ـ و كيف أتركك وحيداً
. . و الله حتى أُقتل معك .
و عندما وصل الإمام
الخيام ، دخل خيمة اُخته زينب ، و وقف هلال ينتظر .
سمع هلال زينب تقول
لأخيها :
ـ هل استعلمت ( عرفت )
من أصحابك نيّاتهم ، فانّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة ( بدء المعركة ) .
فقال الإمام :
ـ و الله لقد بلوتهم (
امتحنتهم ) فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس ( الشجاع ) يستأنسون بالمنية ( الموت ) دوني
( من أجلي ) إسئناس الطفل إلى محالب ( ثدي ) اُمّه .
عندما سمع نافع كلام
زينب ، بكى ثم مضى إلى خيمة حبيب بن مظاهر و حكى له ما سمعه و قال :
ـ من الأفضل أن نذهب
إليها و نُطمئنها ، و لعلّ النساء قد استيقظن و شاركنها في قلقها و حزنها .
نهض حبيب ، و غادر
الخيمة ، ونادى :
ـ يا أصحاب الحميّة !
خرج الرجال من خيامهم
كالأسود ، و تحلّقوا حول حبيب ، فقال لهم :
ـ امضوا بنا إلى خيمة
زينب نطيّب خاطرها و خاطر النساء .
مضى الرجال و هم
يحملون أسلحتهم إلى خيمة زينب ، و عندما وصلوا هناك اصطفوا خلف حبيب و صاحوا :
ـ يا معشر حرائر رسول
الله هذه صوارم ( سيوف ) فتيانكم آلوا ( أقسموا ) ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب من
يريد السوء فيكم ، و هذه أسنّة ( رماح ) غلمانكم أقسموا ألاّ يركزوها إلاّ في صدور
من يُفرّق ناديكم .
خرجت زينب و خلفها
النساء و هن يبكين و قلن :
ـ أيّها الطيبون حاموا
عن بنات رسول الله و حرائر أمير المؤمنين .
بكى حبيب و بكى معه
أصحابه و أقسموا على الدفاع و المقاومة حتى الموت .
رؤيا
و مضى الجميع إلى
خيامهم . انصرف بعضهم إلى النوم حتى يستعدّ لمعركة الغد ، و راح بعضهم يقرأ القرآن
أو يُصلّي .
كان الحسين
(
عليه السَّلام )
في خيمته يصلح سيفه ، فشعر بالتعب ، فأغمض عينيه و نام .
كان الوقت سحراً ، رأى
الحسين في عالم النوم كلاباً هجمت عليه و راحت تعضّه ، و كان بينها كلب أبقع ، يهجم
على عنقه و ينهشه . هبّ الحسين من نومه و قال :
ـ إنّا لله و إنّا
إليه راجعون .
عاشوراء
طلع فجر اليوم العاشر
من المحرّم ، و صلّى الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
صلاة الصبح و خلفه أصحابه .
ثم هيأهم للمعركة ،
قسّم أصحابه إلى ثلاث فرق صغيرة : الجناح الأيمن و قائده زهير بن القين ، و الجناح
الأيسر و قائده حبيب بن مظاهر ، و القلب و قائده العباس و هو أخو الإمام
(
عليه السَّلام )
.
ركب الإمام الحسين
ناقته و وقف قريباً من جيش يزيد و ألقى خطاباً وعظهم و نصحهم و حذّرهم من الإقدام
على ارتكاب هذه الجريمة ، و لكن لا فائدة , لقد أضلّهم الشيطان فنسوا ذكر الله .
المعركة
بدأ جيش يزيد بالعدوان
، حيث أمطروا معسكر الحسين بالسهام فقال الإمام لأصحابه :
ـ إنهضوا إلى الموت يا
كرام .
اشتبك الفريقان في
معركة غير متكافئة ، حيث واجه سبعون مقاتل جيشاً كبيراً مؤلّفاً من ثلاثين ألف جندي
.
انتهت الجولة الأولى
من الاشتباك ، و عاد رجال الحسين
(
عليه السَّلام )
إلى مواقعهم .
شنّ جيش يزيد هجمات
وحشية ، فقاوم أصحاب الحسين مقاومة بطولية ، و كان الرجال يتساقطون على الأرض شهداء
دفاعاً عن ابن الرسول
(
صلى الله عليه و آله )
.
مصرع مسلم
قام عمرو بن الحجاج
بهجوم كبير من جهة نهر الفرات ، فتصدّى له أصحاب الحسين و قاتلوا ببسالة .
كان مسلم بن عوسجة و
هو من أصحاب الإمام يقاتل بضراوة العشرات من جنود يزيد ، فأُصيب بجروح بليغة فسقط
على الأرض .

عندما شاهد الحسين ذلك
هجم على العدو و معه حبيب بن مظاهر و أنقذا مسلم بن عوسجة .
كان مسلم في الرمق
الأخير من حياته .
قال الإمام الحسين
بحزن :
ـ رحمك الله يا مسلم .
{ فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلاً }.
جلس حبيب قرب صديقه و
قال :
ـ عزّ عليّ ( آلمني )
مصرعك يا مسلم . . أبشِر بالجنّة .
فقال مسلم بصوت ضعيف :
ـ بشّرك الله بخير .
قال حبيب :
ـ لو لا أنّي في أثرك
لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما يهمّك .
نظر مسلم إلى حبيب ثم
إلى الإمام الحسين
(
عليه السَّلام )
و قال :
ـ يا حبيب أُوصيك بهذا
( الحسين ) أن تموت دونه ( من أجله ) .
فقال حبيب بحماس :
ـ أفعل و ربّ الكعبة .
الفرحة
كان حبيب ذلك اليوم
يشعر بالفرحة تملأ قلبه ، فكان وجهه ضاحكاً .
تعجّب أحد أصحابه و
قال له :
ـ و هل هذا وقت فرح ؟!
فقال حبيب :
ـ و لماذا لا أفرح و
أنا أعرف أنّي سأُقتل ثم أدخل بعد ذلك الجنّة .
الصلاة الأخيرة
استمرت المعارك من
الصباح حتى الظهر .
نظر أحد أصحاب الحسين
إلى الشمس ، فرآها قد زالت فعرف إن وقت الصلاة قد حان .
طلب الإمام الحسين
إيقاف القتال حتّى يصلّوا .
صاح الحصين بن نمير :
ـ إن صلاتك لا تقبل يا
حسين .
صاح حبيب بن مظاهر
بغضب :
ـ زعمت أنّها لا تقبل
من آل الرسول و تقبل منك يا حمار !
النهاية
شعر الحصين بالحقد
فضرب فرسه بالسوط و هجم على حبيب .
تصدّى حبيب له و ضرب
وجه الحصان ، و سقط الحصين بن نمير على الأرض .
اندفع عشرات الجنود
لإنقاذ الحصين ، فاشتبك حبيب معهم ، و قاتلهم قتال الأبطال .
تمكّن حبيب و بالرغم
من شيخوخته من قتل أكثر من ستين جندياً .
و في غمرة القتال سدّد
أحد الغادرين رمحاً وطعنه بقسوة و هوى حبيب ابن مظاهر فوق الرمال شهيداً .
و هكذا انتهت حياة ذلك
الصحابي البطل الذي قضى عمره في الجهاد من أجل الإسلام .
لم يكتف ابن نمير بقتل
حبيب ، فأخذ رأسه و علّقه في رقبة حصانه و راح يجول بين الجنود متباهياً بعمله
الدنيء .
حاول الإمام الحسين
إنقاذ صاحبه ، و لكنّه وصل متأخراً فدمعت عيناه و قال بحزن :
ـ عند الله احتسب نفسي
و حماة أصحابي . . إنّا لله و إنّا إليه راجعون .
و عاد الحسين إلى
موقعه حزيناً لأنّه فقد أقرب أصحابه و أكثرهم إخلاصاً و وفاءً .
في قلوب المؤمنين
اليوم عندما يذهب
المرء إلى كربلاء لزيارة سيّد الأحرار في العالم ، سيشاهد من بعيد قبّة ذهبية شامخة
في السماء و منائر شاهقة في الفضاء .
و عندما يدخل الحرم
الطاهر المغمور بروائح العطور و الربيع ، سيجد ضريحاً بالقرب من ضريح الإمام الحسين
، ذلك هو ضريح الشهيد حبيب بن مظاهر شيخ بني أسد و سيّد الأوفياء .
و لابدّ لمن يزور
الإمام الحسين أن يُحيي حواريه قائلاً :
ـ السلام على حبيب بن
مظاهر الأسدي .

|